مالي …. بوابة الفوضى إلى أوروبا
مقالات
مالي …. بوابة الفوضى إلى أوروبا
وائل المولى
29 نيسان 2026 , 06:25 ص

لم تعد الأزمة في مالي مجرد شأن إفريقي داخلي، بل تحولت إلى عقدة أمنية وسياسية تمتد آثارها إلى أوروبا مباشرة، في ظل تداخل الصراعات المحلية مع تنافس دولي متصاعد بين فرنسا وروسيا، وتمدّد الجماعات المسلحة في بيئة دولة هشة وضعيفة السيطرة.

الأزمة في مالي هي نتاج تراكم طويل لانهيار تدريجي في بنية الدولة، بدأ مع تمردات الشمال، خصوصًا تمرد الطوارق، ثم تفاقم مع الانقلابات العسكرية المتكررة، قبل أن تتوسع الفوضى مع صعود الجماعات المسلحة المرتبطة بشبكات إقليمية مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وأطراف مرتبطة بـ تنظيم الدولة الإسلامية، ما حول الساحل الإفريقي إلى فضاء مفتوح للصراع غير النظامي.

هذا الانهيار لم يبقَ داخل الحدود، بل بدأ ينعكس على أوروبا عبر ثلاث قنوات رئيسية: تصاعد الهجرة غير النظامية، توسع شبكات التهريب والجريمة المنظمة، واحتمال انتقال الفكر المتطرف إلى بيئات هشة في الشمال الإفريقي. ومع ضعف الدولة في ضبط أراضيها، تتحول مالي إلى نقطة دفع للفوضى نحو الخارج، بدل أن تكون دولة قادرة على احتوائها داخليا.

في المقابل، تحولت مالي إلى ساحة تنافس دولي. فرنسا، التي كانت القوة العسكرية الأساسية في الساحل، تراجعت تدريجيا بعد فشل المقاربة الأمنية في تحقيق استقرار دائم، وتراجع قبول وجودها سياسيا وشعبيا. هذا التراجع فتح فراغا سريعا في ميزان النفوذ.

في هذا الفراغ دخلت روسيا عبر أدوات عسكرية وأمنية، بداية من فاغنر ثم عبر إعادة هيكلة وجودها تحت مسمى (فيلق أفريقيا) ، في إطار دعم المجلس العسكري الحاكم. لكن هذا التحالف لم يكن مستقرا، لأن أهداف الطرفين لم تكن متطابقة: المجلس العسكري يبحث عن نتائج أمنية سريعة تعيد السيطرة على الأرض، بينما تتحرك روسيا بمنطق نفوذ طويل الأمد وكلفة محدودة.

ومع تصاعد الهجمات وتوسع رقعة سيطرة الجماعات المسلحة، لم تحقق المقاربة الروسية الحسم العسكري المطلوب، ما أدى إلى تراجع فعالية هذا الحضور وإعادة تموضعه بشكل أضيق. وفي الوقت نفسه، بدأ المجلس العسكري بإعادة تقييم اعتماده على أي طرف خارجي، في ظل عجز جميع القوى عن فرض استقرار حقيقي.

الأهم أن هذا التراجع في فعالية القوى الدولية لا يعني فراغا محايدا، بل يفتح المجال مباشرة أمام تمدد الجماعات المسلحة، التي تستفيد من كل خلل في ميزان القوى لتعزيز حضورها.

بهذا الشكل، تتحول مالي إلى أكثر من مجرد دولة مضطربة، لتصبح نقطة ارتكاز في مسار عدم استقرار إقليمي يمتد نحو الساحل الإفريقي ثم شمال إفريقيا وأوروبا، حيث تتداخل الهجرة مع الأمن والجريمة المنظمة والصراع الدولي، في مشهد يعكس انتقال الفوضى بدل احتوائها.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري