في مراجعةٍ هادئة لتاريخ لبنان الحديث، يصعب تجاهل حقيقةٍ أساسية كثيراً ما يجري القفز فوقها أو التعامل معها بانتقائية سياسية وإعلامية ..
الشيعة كانوا المكوّن اللبناني الوحيد الذي لم يستدعِ احتلالاً أو استعماراً أو تدخلاً عسكرياً خارجياً إلى لبنان، رغم أنهم كانوا في معظم المحطات أول من دفع الثمن، وأول من واجه، وآخر من انكسر.
فالاستعمار العثماني تماهى معه جزء واسع من البيئة السنية بحكم الامتداد السياسي والديني للدولة العثمانية، فيما حظي الانتداب الفرنسي بتأييدٍ واحتضان من شرائح مسيحية واسعة رأت فيه ضمانةً سياسية ووجودية.
وفي عام 1958، لم يتردد كميل شمعون في طلب تدخل قوات المارينز الأميركية في مواجهة خصومه اللبنانيين، في سابقةٍ خطيرة كرّست الاستقواء بالخارج على الداخل.
لاحقاً، دخلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان بغطاءٍ سياسي سنّي ودعمٍ مباشر من كمال جنبلاط، الزعيم الأبرز للدروز آنذاك، بينما جاء “اتفاق القاهرة” الذي شرعن العمل المسلح الفلسطيني على الأرض اللبنانية بموافقة وتغطية من مسؤولين وزعامات مسيحية وسنية ودرزية، في لحظةٍ كان فيها القرار اللبناني يتآكل لمصلحة المحاور الإقليمية.
ومع اندلاع الحرب الأهلية، دخلت القوات السورية إلى لبنان عام 1976 بطلبٍ من قوى وشخصيات مسيحية نافذة، كما جاءت القوات متعددة الجنسيات لاحقاً بطلبٍ من زعامات سنية وبدفعٍ من أنظمة عربية سنية.
أما الاحتلال الإسرائيلي للبنان، فقد وجد له أيضاً من يطلبه ويراهن عليه من بعض القيادات المارونية تحت عنوان التخلص من الوجود الفلسطيني، قبل أن تعود القوات الأميركية إلى بيروت عام 1982 بطلبٍ ودعم من قوى مسيحية متحالفة مع مشروع تلك المرحلة.
وفي السنوات الأخيرة، قدّم جزء من السنة وبعض القوى المسيحية والدرزية غطاءً سياسياً أو إعلامياً أو مباشراً لجماعات تكفيرية احتلت أجزاء من لبنان وهددت كيانه الاجتماعي والأمني، فيما كان الشيعة، إلى حدٍّ كبير، الطرف اللبناني الأكثر انخراطاً في قتال تلك الجماعات ودحرها.
المفارقة الجوهرية في كل هذه المحطات، أن الشيعة — مهما اختلفت الآراء حول خياراتهم السياسية أو تحالفاتهم الإقليمية كانوا المكوّن الوحيد الذي واجه، بدرجات متفاوتة، جميع أشكال الاحتلال والوصاية والتدخل الخارجي التي مرّت على لبنان: من الإسرائيلي إلى التكفيري، ومن الوصاية إلى مشاريع الهيمنة الدولية.
وفي المقابل، لم يُسجَّل في تاريخهم السياسي أنهم استدعوا جيشاً أجنبياً ليدخل لبنان ويحسم صراعاً داخلياً لمصلحتهم.
لهذا تبدو السخرية قاسية حين يخرج اليوم من يطالب الشيعة بـ”العودة إلى لبنان” أو بـ”احترام السيادة اللبنانية”، فيما هم تاريخياً الفئة التي دفعت أثمان الاحتلالات والحروب، وخاضت مواجهتها على الأرض، بينما كانت قوى أخرى تستقوي بالخارج أو تراهن عليه أو تمنحه الغطاء السياسي.
والأشد مرارةً أن الذين يملكون، منطقياً وتاريخياً، حق دعوة الآخرين إلى التمسك بلبنانيتهم وسيادة وطنهم ورفض الارتهان للخارج، هم الشيعة أنفسهم؛ لأنهم، في سجلّ الوقائع لا في خطابات المزايدة، كانوا الأقل استعانة بالأجنبي، والأكثر مواجهةً له حين حضر على أرض لبنان.
عباس المعلم - كاتب سياسي