‏نتنياهو … هندسة الانهيار من داخل الدولة
مقالات
‏نتنياهو … هندسة الانهيار من داخل الدولة
وائل المولى
4 أيار 2026 , 05:25 ص

‏ليست شهادة الكاتبة الإسرائيلية كارولينا لاندسمان مجرد نقد سياسي عابر، بل اتهام مباشر بأن حقبة بنيامين نتنياهو تمثل عملية تفكيك منهجية لدولة كاملة. في قراءتها، لم يعد نتنياهو رئيس حكومة، بل تحوّل إلى بنية حاكمة تماهت مع الدولة إلى درجة الذوبان الكامل؛ بحيث إن سقوطه لم يعد انتقالاً سياسياً طبيعياً، بل زلزالاً قد يطيح بكل ما بُني قبله.

‏هذا الطرح يكتسب خطورته من كونه يتقاطع مع وقائع ميدانية واستراتيجية. فسياسات نتنياهو لم تقتصر على الداخل، حيث تآكل القضاء وتصدّع النسيج الاجتماعي وتراجع تماسك المؤسسة العسكرية، بل امتدت إلى الخارج عبر سلسلة حروب ومغامرات غير محسوبة أعادت رسم موقع إسرائيل في الإقليم—لكن بصورة أكثر هشاشة.

‏في لبنان، لم تعد المواجهات مجرد جولات ردع تقليدية، بل تحوّلت إلى اختبار مستمر لحدود القوة الإسرائيلية. النتائج لم تكن حاسمة، بل كشفت عن مأزق استراتيجي: قوة عسكرية متفوقة عاجزة عن فرض استقرار سياسي أو أمني دائم. هذا التعثر لم يُضعف الخصوم فقط، بل عمّق الشك داخل إسرائيل نفسها حول جدوى هذه الحروب.

‏أما في ما يتعلق بإيران، فقد تجاوزت الأمور سقف “حرب الظل” إلى مواجهات مباشرة على مرحلتين، في سابقة خطيرة كسرت قواعد الاشتباك القديمة. الأخطر أن نتنياهو لم يكتفِ بإدارة هذا التصعيد، بل سعى إلى تدويله، دافعاً نحو إشراك دونالد ترامب والولايات المتحدة في مسار المواجهة. هذه السياسة لم تؤدِّ إلى حسم، بل فتحت الباب أمام انقسام غير مسبوق داخل المعسكر الغربي نفسه، حيث أبدت أطراف أساسية في حلف شمال الأطلسي تردداً أو رفضاً للانخراط، ما أحدث شرخاً سياسياً واستراتيجياً بين واشنطن وحلفائها.

‏هذا التصدّع في العلاقات الدولية يتكامل مع ما تصفه لاندسمان بـ”تفكيك الداخل”: قضاء مُقيّد، جيش مُنهك، ومجتمع منقسم على ذاته. وهي رؤية لا تنفرد بها، إذ يلتقي معها كتّاب مثل جدعون ليفي وعاموس هرئيل في التحذير من أن إسرائيل لم تعد تواجه أزمة سياسية عادية، بل أزمة بنيوية تضرب أسسها العميقة.

‏الخطير في هذا المسار أن نتنياهو، عبر ربط مصير الدولة بمصيره الشخصي، حوّل أي محاولة لإزاحته إلى تهديد وجودي للنظام ككل. وهنا تتجلى الفكرة الأكثر قسوة في شهادة لاندسمان: المشكلة لم تعد في الرجل، بل في الدولة التي أُعيد تشكيلها على صورته.

‏في النهاية، لا تبدو إسرائيل أمام مجرد نهاية حقبة سياسية، بل أمام لحظة مفصلية قد تحدد إن كانت قادرة على إعادة بناء نفسها… أم أنها دخلت بالفعل مسار التفكك الذي حذّرت منه أصوات من داخلها قبل خصومها.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري