يوسف حسن يكتب -
· البعد الروحي والاجتماعي: حمايةُ الحلفاء قبل الحماية الذاتية
لا تنظر إيران إلى شيعة لبنان وحلفاء المقاومة كمجرد أطراف سياسية، بل كأمانة دينية وامتداد طبيعي لوجودها الاستراتيجي. لذلك، تستحيل على طهران أن تنصرف إلى تأمين مصالحها الذاتية، وتُغْمِضَ عينيها عن أولئك الذين وقفوا إلى جانبها في ساحات الوغى. هي تدرك أن التفاوض على أمنها المباشر دون النظر إلى حلفائها، جريمة في ميزان الوفاء، وانتحار سياسي قبل أن يكون تفريطاً أخلاقياً.
· البعد الإقليمي: لا لعزل الساحات
منذ ذلك اليوم المشؤوم في السابع من أكتوبر 2023، أطلق نتنياهو وعده بتغيير وجه الشرق الأوسط، ومنذ تلك اللحظة تحولت المواجهة من نزاع محلي إلى حريق إقليمي يمتد من غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى العراق والخليج. لذا، ترى إيران أن أي ضمانة حقيقية بعدم العودة إلى الحرب لا يمكن أن تكون مجرد ورقة نووية أو تفاهم ثنائي خافت بينها وبين أميركا. فلبنان ليس قضية منفصلة، بل حلقة في طوق النار المشتعل. ومن هنا رفضها القاطع لمنطق "تقطيع الملفات"، لأن تفكيك الجبهات يعني جعل كل حلقة أضعف، وأكثر عرضة للكسر. أمّا ربط لبنان بالتفاوض، فهو حماية لتماسك الجبهات، وضربة استباقية لأي محاولة لعزل الساحة اللبنانية عن أمها الطبيعية.
· بعد الردع والأمن القومي: لبنان، الحصن الأمامي
لبنان المقاوم ليس مجرد حليف، بل هو جزء من عمود الردع الإقليمي في مواجهة "إسرائيل". فلبنان الضعيف يعني إسرائيل طليقة الحركة، ونفوذاً يهودياً ممتداً على حدود سوريا وشرق المتوسط، وضغطاً متصاعداً على كل جبهات المقاومة. إذا نجحت "إسرائيل" في فرض واقع جديد في لبنان قوامه احتلال محدود، وضربات يومية، وسياسة تحت النار، فإنها ستكرس نموذجاً خطيراً يمكن استنساخه في ساحات أخرى. لذلك، فإن كف يد "إسرائيل" عن لبنان هو في صميم حماية طهران لأمنها القومي وقطع الطريق على تحويل لبنان إلى منصة انطلاق للضغوط الأميركية والإسرائيلية.
· البعد الدولي: إفشال المشروع الأميركي
تؤمن إيران أن ما يحدث في لبنان ليس مجرد مواجهة عابرة، بل حلقة من مسعى أميركي أوسع لإعادة رسم الخرائط السياسية والأمنية للبلاد بعد الحرب. واشنطن تحاول تحويل القوة العسكرية الإسرائيلية إلى مكاسب سياسية داخلية عبر تضعيف المقاومة، ودفع لبنان نحو طاولة تفاوض مباشر، وتوسيع قبضتها على مؤسسات الدولة. لذلك، فإن فرض وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان يعني إجبار أميركا على التراجع عن مشروع السيطرة. وإذا أخفقت واشنطن في تحويل الحرب إلى فرصة لإعادة هندسة لبنان، فإنها تتلقى صفعة قوية في قلب نفوذها الإقليمي، ويُكتب فشل رهانها الأبدي على أن القوة العسكرية وحدها تصنع الواقع.
· البعد التفاوضي: معركة تفسير النتائج
تدرك طهران أن مرحلة ما بعد الحرب لا تقل شراسة عن الحرب نفسها، فالمعركة الحقيقية تدور حول من ينجح في فرض روايته على نتائج المواجهة. إذا بقيت "إسرائيل" حرة في ضرب لبنان بعد أي اتفاق، فستبيع ذلك للعالم كدليل على أنها لا تزال قادرة على إملاء شروطها. أما إذا أُجبرت على وقف اعتداءاتها والانسحاب، فإن إيران وحلفاءها يكونون قد حولوا وقف إطلاق النار من مجرد هدنة مؤقتة إلى نصر سياسي واستراتيجي دائم.