بعد حرب حزيران ١٩٦٧ دأب الاعلام
والسياسة، والدبلوماسية الصهيونية على السلام مع الدول العربية. ارتبطت نشأة الكيان بالدور الذي سيلعبه كوكيل للاحتكارات الدولية المتعددة الجنسيات. وظل قادة الكيان يحلمون باستثمار منطقتي الشرق المتوسطي وافريقيا المتخلفين، بالمفهوم الاستعاري، استثمارا اقتصاديا بوسائل لا تختلف عن وسائل الاستعمار التقليدي، ومثل هذا الاستثمار الذي يتم المصلحة الصهيونية ذاتها، والرأسمالية اليهودية اينما كانت، تستفيد منه الامبريلية التقليدية التي عرفتها، وما فتئت تزاولها - الدول الاستعمارية الاوروبية، والرأسمالية الامريكية - اليهودية. ولذلك فان الصهيونية، منذ نشائها في نهاية القرن التاسع عشر، لم تتأخر، لتحقيق اهدافها، عن وضع نفسها تحت تصرف الاستعمار التقليدي في ذلك الوقت، لعبة تأمين مصالحها وتنفيذ مخططاتها التي تخدم في الوقت عينه مصلحة الاستعمار.
العلاقة بين الامبريالية العالمية ودولة الكيان القاعدة المتقدمة لا تقوم على قدم المساواة بل هي علاقة باحدى ادواتها، وبالتالي فان المساعدات الاقتصادية والعسكرية تبقى محكومة بما يكفل ان تستمر في تأدية دور ما كاداة عسكرية ضاربة وعلى اعتبار ان الدور العسكري الذي تقوم به الالة العسكرية الصهيونية، هي عملية اخضاع المنطقة السيطرة الولايات المتحدة الامريكية، هو جوهر الوجود الصهيوني او جوهر المشروع الأمر بالي. ولكن للدولة الصهيونية طموحا كبيرا يتجاوز حدود الدور - الذي حددته لها الامبريالية: أن تؤدي دورها المرسوم من موقع الشريك للاميريالية، وليس من موقع الاداة. وانتقالها إلى موقع الشريك امر تحدده قدراتها الاقتصادية والقاعدة الصناعية التي تبنيها.
قدمت الولايات المتحدة الامريكية لدولة الكيان السلام الذي كانت تنشده مع جيرانها العرب والذي عبر عنه الوزير الصهيوني يغئيل هوروفتس: ((السلام ضروري جدا لاسرائيل. نحن بحاجة إلى السلام حاجتنا إلى الهواء، لان وضعنا الاقتصادي من سيء الى اسواء، ولان النزوح عن البلد يزداد، ففي عام ١٩٧٧ مثلا كانت نسبة النزوح مماثلة لنسبة الهجرة)). وعبر المؤرخ يعقوب تالمون: ((من دون سلام لن يكون لنا وجود)) ((ومن دون تسوية سلمية لن يكون لنا مستقبل في هذا البلد (فلسطين)))، كما عبرت رئيسة وزراء الكيان الصهيوني غولدا مائير. نشطت الدبلوماسية الامريكية مستخدمة الترحيب والترغيب، وسياسة العصا والجزرة التي ادت إلى اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية أوسلو واتفاقية وادي عربة، واصلت بعد ذلك سياسة التطبيع التي عبرت عنها القمة العربية في بيروت عام ٢٠٠٢ التي تبنت تطبيع العلاقات الاسرائيلية العربية شريطة الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران/يونيو ١٩٦٧. طبعت بعض الدول العربية ولم تنسحب اسرائيل من اي بوصة من فلسطين او الجولان وتمتعت بسلام داخل حدودها، وازدهر الاقتصاد وصارت مقرا رئيسيا لشركات التكنولوجيا والاتصالات.
ولأن دوام الحال من المحال، لم تنعم بالسلام المنشود، لان على جبهتها الشمالية وفي الجنوب اللبناني حزب الله الذي حرر الجنوب في ايار/مايو عام ٢٠٠٠، وهزمها شر هزيمة عام ٢٠٠٦. وعلى جبهتها الجنوبية في قطاع غزة (السجن المغلق) قوات المقاومة الفلسطينية ممثلة بكتائب عز الدين القسام وسرايا القدس وقوات ابو علي مصطفى. تعايشت دولة الكيان مع الوضعين في الشمال واوكلت للقوى اللبنانية المتصهينة التعامل مع حزب الله، وفي الجنوب اطبقت الحصار الخانق على قطاع غزة وحولته إلى سجن مغلق.
في ذروة انشغال العالم بالحرب الروسية الأوكرانية وازمة تايوان والاستعداد الامريكي إلى نقل القيادة المركزية (سنتكوم) من الشرق الأوسط إلى الباسفيك والمشاريع الدولية لجعل دولة الكيان نقطة التقاء الخطوط التجارية والنفطية والغازية بين الشرق والغرب، فجرت قوات المقاومة الفلسطينية عملية طوفان الاقصى في السابع من تشرين الاول/اكتوبر ٢٠٢٣، وكانت الصاعق الذي فجر حروب دولة الكيان مدعوما من كل مشغليه. وكانت نتائجها كارثية على الكيان عسكريا وسياسيا واقتصاديا وهجرة عكسية، والاهم من هذا كله سقوط الرواية والسردية الصهيونية وتعاطف شعوب العالم مع القضية الفلسطينية. كان الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني نقدا سبعين الف شهيد ومائتي الف جريح والدمار الشامل، لكنه اقل بكثير مما دفعه الشعب الفلسطيني من شهداء وجرى بالتقسيط منذ سنينيات القرن الماضي وحتى الان دون طائل.
وليحافظ الكيان على دوره الوظيفي الموكل اليه انخرط في حرب وجودية وتوسعية، سعيا وراء السلام الذي تفرضه القوة، وعلى الرغم من الهدية العثمانية - الاخوانية - العربية التي قدمت سورية على طبق من ذهب للكيان الصهيوني، الا انه لا الظروف الذاتية ولا الظروف الموضوعية تسمح للكيان بان يحقق مشروعه التوسعي، لان القوى الاستعمارية التي كانت في أوج قوتها ونفوذها وعلى راسها الولايات المتحدة الامريكية هي الان في منحنى الانحطاط والانحسار امام القوى الصاعدة، وما دام هناك بندقية مقاومة عربية وفلسطينية مشرعة في وجهه ويعجز عن اسقاطها.
ان مشاركة الكيان في الحرب الامريكية على ايران ستكون اخر حروبه، ويدرك نتنياهو ان ايران انتصرت وتدرك كل الدول الاقليمية ذلك، وهي تتهيأ للتعامل مع النتائج والتداعيات المخيفة اكثر من استمرار الحرب، واهم هذه التداعيات بروز ايران كدولة كبرى وتخلص الجسم العربي من البثور والثأليل التي علقت به، سواء المتصهين منها، او القوى الفلسطينية والعربية التي استمرأت الهزيمة والخنوع المهين للكيان الصهيوني.
وبشر الصابرين القابضين على الجمر والسلاح، الحاضرين في كل ساح.
مهندس زياد ابو الرجا