د. مهدي مبارك عبد الله
لا زال العالم يتساءل باستغراب لماذا اوقف العمل فجأة بمشروع الحرية الامريكي في مضيق هرمز وهل سقط هذا الخيار الصعب بين صلابة إيران وارتباك الحلفاء وخوف الأسواق في لحظة حاسمة حيث لم يكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعليق ما سمي بمشروع الحرية بعد أيام قليلة فقط من إطلاقه حدثا عابرا أو مجرد تعديل ميداني محدود في مسار الأزمة المتفجرة في المضيق
واقع الامر برمته بدا وكأنه اعتراف سياسي غير مباشر بأن واشنطن اكتشفت بسرعة أن الدخول إلى أكثر الممرات المائية حساسية في العالم ليس بالأمر الذي يمكن حسمه عبر الشعارات النارية أو البيانات الاستعراضية أو الحشود العسكرية والمشروع الذي قدمه ترامب بوصفه مبادرة لتحرير الملاحة الدولية وإنقاذ السفن العالقة تحول خلال ساعات قليلة إلى اختبار صعب كشف حجم التعقيد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية وحدود القوة الأميركية نفسها عندما تصطدم بحسابات الواقع
البيت الأبيض حاول منذ اللحظة الأولى تسويق المشروع على أنه خطوة إنسانية هدفها حماية التجارة العالمية ومنع الاقتصاد الدولي من الانهيار بسبب إغلاق إيران للمضيق لكن ما جرى على الأرض أوحى بأن المشروع لم يكن إنسانيا بقدر ما كان محاولة لفرض أمر واقع سياسي وعسكري جديد في الخليج عبر إعادة تكريس الهيمنة الأميركية على واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم وهو ما دفع طهران إلى التعامل معه باعتباره محاولة التفاف على معادلات الردع التي فرضتها الحرب الأخيرة لا مجرد عملية لحماية السفن التجارية
منذ الإعلان عن المشروع بدأت المؤشرات السلبية بالظهور بسرعة والجيش الإيراني أرسل رسائل واضحة بأنه لن يسمح بتحويل المضيق إلى ساحة نفوذ أميركية مفتوحة كما أن حوادث إطلاق النار المتبادل والهجمات التي طالت بعض السفن كشفت أن أي محاولة أميركية لفرض حرية الملاحة بالقوة قد تتحول إلى شرارة مواجهة واسعة لا يمكن التحكم بنتائجها خاصة وأن المنطقة بأسرها كانت تقف أصلا على حافة انفجار كبير بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران
ما بدا أكثر إثارة من التصعيد العسكري نفسه هو السرعة اللافتة التي تراجع بها ترامب عن المشروع فرئيس اعتاد تقديم نفسه بوصفه رجل الحسم والقوة وجد نفسه بعد يومين فقط مضطرا لإعلان تعليق العملية بحجة إفساح المجال أمام المفاوضات وهو تراجع لم يكن من السهل تفسيره فقط بالرغبة في منح الدبلوماسية فرصة إضافية لأن الوقائع التي تسربت لاحقا أوحت بأن القرار كان نتيجة ضغوط ومخاوف أعمق بكثير من الرواية الرسمية المعلنة
التقارير الأميركية المواترة تحدثت عن غضب خليجي من الطريقة التي أعلن بها ترامب المشروع دون تنسيق مسبق مع بعض الحلفاء وفي مقدمتهم السعودية التي قيل إنها رفضت السماح باستخدام قواعدها الجوية وأجوائها لدعم العملية وهو ما شكل ضربة كبيرة للخطة الأميركية لأن أي تحرك واسع في الخليج يحتاج عمليا إلى غطاء لوجستي وعسكري إقليمي لا يمكن تعويضه بسهولة كما أن هذا الرفض عكس في جانب منه خشية خليجية من الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران قد تؤدي إلى استهداف المنشآت النفطية والبنية التحتية الحيوية في المنطقة
الأهم من ذلك أن العواصم الخليجية تدرك أن أي حرب جديدة في الخليج لن تكون شبيهة بالحروب السابقة خاصة وان إيران اليوم تملك أدوات ضغط هائلة تمتد من الصواريخ إلى الطائرات المسيّرة إلى القدرة على تهديد الملاحة وإرباك أسواق الطاقة العالمية وهو ما يجعل تكلفة التصعيد أكبر بكثير من قدرة المنطقة على الاحتمال ولذلك فضلت بعض الدول الخليجية الدفع نحو التهدئة والوساطات السياسية بدل الدخول في مغامرة عسكرية قد تفتح أبواب الفوضى على مصراعيها
في خلفية المشهد برز العامل الاقتصادي بوصفه أحد أهم الأسباب الخفية وراء قرار التراجع الأميركي وإدارة ترامب تدرك حساسية أسعار النفط بالنسبة للاقتصاد الأميركي وللأسواق العالمية كما تعلم أن أي اشتعال واسع في مضيق هرمز سيؤدي إلى قفزات هائلة في أسعار الطاقة وإلى موجات تضخم قد تنعكس سلبا على الداخل الأميركي وعلى الأسواق الغربية والمنطقة في وقت تعاني فيه الاقتصادات الكبرى أصلا من حالة هشاشة وعدم استقرار ولهذا بدا واضحا أن البيت الأبيض اكتشف بسرعة أن الاستمرار في مشروع الحرية قد يحمل كلفة اقتصادية وسياسية أخطر بكثير من أي مكاسب دعائية محتملة
الصين من جانبها لعبت دورا غير معلن لكنه شديد التأثير في دفع واشنطن نحو التراجع وان بكين التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج لا تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر بحري بل كشريان حيوي لأمنها الاقتصادي وان أي اضطراب طويل فيه يعني تهديدا مباشرا لمصالحها الاستراتيجية ولهذا جاءت الرسائل الصينية حازمة بضرورة منع التصعيد وعدم تحويل المضيق إلى ساحة حرب مفتوحة وهو ما وضع ترامب أمام معادلة معقدة بين الرغبة في استعراض القوة وبين الحاجة لتجنب صدام اقتصادي ودبلوماسي مع ثاني أكبر قوة في العالم
على الجانب الاخر كانت إيران تدير الأزمة بقدر كبير من البراغماتية الحذرة فهي من جهة أرادت إثبات أنها قادرة على تعطيل أي مشروع أميركي لا يراعي شروطها ومن جهة أخرى حاولت تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تستنزفها داخليا وإقليميا ولذلك حافظت على سياسة الضغط المحسوب وأرسلت إشارات عسكرية قوية دون أن تذهب إلى مواجهة مفتوحة كما أبقت الباب مواربا أمام الوساطات الباكستانية والتحركات الدبلوماسية الجارية خلف الكواليس
البعد الأعمق في الأزمة يظهر ان القضية لم تعد مجرد خلاف حول عبور السفن أو حرية الملاحة بل تحولت إلى صراع على من يملك حق التحكم بقواعد الأمن الإقليمي في الخليج وإيران تريد فرض معادلة تقول إن أمن المضيق لا يمكن أن يدار دون موافقتها بينما تحاول واشنطن منع تشكل واقع إقليمي جديد يحد من نفوذها التاريخي في المنطقة لكن المفارقة أن التراجع الأميركي السريع منح طهران فرصة لتقديم نفسها كطرف اساسي قادر على فرض شروطه ومنع خصومه من فرض وقائع بالقوة
تعليق المشروع بهذه السرعة كشف ايضا حدود القدرة الأميركية على بناء تحالف دولي متماسك في هذه الأزمة والكثير من الدول الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على نفط الخليج باتت تخشى الدخول في مواجهة مفتوحة لا تضمن نتائجها كما أن بعضها لا يرى في المقاربة الأميركية الحالية وصفة للاستقرار بقدر ما يعتبرها عاملا إضافيا للتوتر والتصعيد ولهذا بدت واشنطن وكأنها تتحرك في مساحة أضيق بكثير مما كانت تتوقع وبشكل منفرد
الملاحظ انه رغم أن إدارة ترامب حاولت تصوير التعليق على أنه خطوة مؤقتة مرتبطة بتقدم المفاوضات إلا أن ما جرى يثبت بأن مشروع الحرية قد ولد أصلا في لحظة ارتباك سياسي واستعجال استراتيجي أكثر مما كان نتيجة خطة مدروسة بعناية والإعلان المفاجئ عن المشروع ثم التراجع السريع عنه أظهرا أن البيت الأبيض كان يحاول اختبار ردود الفعل الإقليمية والدولية أكثر من امتلاكه رؤية متماسكة لإدارة الأزمة برؤية دولة كبرى
بالتعمق في حيثيات القرار يمكن القول إن ما حدث في مضيق هرمز يمثل تحولا مهما في صورة القوة الأميركية نفسها وواشنطن التي كانت قادرة في مراحل سابقة على فرض إرادتها العسكرية بسهولة نسبية باتت اليوم تواجه واقعا دوليا وإقليميا أكثر تعقيدا حيث تتداخل حسابات القوى الكبرى مع مصالح الحلفاء ومخاوف الأسواق ومعادلات الردع الجديدة وهو ما يجعل أي خطوة عسكرية محفوفة بمخاطر هائلة
ترامب أراد عبر هذا المشروع أن يطل على العالم بمظهر القائد الذي يعيد فتح المضيق بالقوة ويحمي التجارة العالمية لكنه انتهى إلى تعليق مشروعه خلال أيام قليلة في مشهد بدا للكثيرين أقرب إلى التراجع المنظم منه إلى الانتصار السياسي وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل الاستراتيجية الأميركية في الخليج وحول ما إذا كانت واشنطن ما تزال قادرة فعلا على فرض معادلاتها القديمة في منطقة تتغير توازناتها بسرعة كبيرة
ما يتوجب معرفته جيدا بان وراء المبررات المعلنة لترامب التي تحدث فيها عن إفساح المجال أمام المفاوضات كانت هناك حسابات أكثر تعقيدا تتحرك في الخفاء حتى لو لم تُطرح بصيغة مباشرة أو بعنوان مستقل بدءا الخلاف غير المعلن مع بعض الحلفاء الخليجيين وخصوصا مسألة رفض استخدام القواعد والأجواء وهو ما أضعف القدرة الأميركية على تنفيذ المشروع وخشية واشنطن من فقدان الغطاء الخليجي مرورا بالمخاوف غير المعلنة من انفجار أسعار الطاقة ووصولا إلى الضغوط الصينية غير المباشرة المرتبطة بأمن الطاقة وتدفق النفط عبر الخليج القلق من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن السيطرة عليهاكل هذه العناصر تمثل فعليا بعض الأسباب الخفية التي تقف وراء التراجع حتى لو كانت الإدارة الأميركية تقدم للرأي العام تفسيرات دبلوماسية أو إنسانية عامة
ختاما : يبدو أن مشروع الحرية لم يسقط فقط بسبب الصواريخ الإيرانية أو رفض بعض الحلفاء أو مخاوف الأسواق بل لأنه اصطدم بحقيقة أكبر وهي أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة سهلة للقرارات الأحادية وأن زمن فرض الوقائع بالقوة المطلقة بات أكثر تعقيدا وكلفة من أي وقت مضى وأن أي شرارة في مضيق هرمز يمكن أن تتحول في لحظة إلى زلزال سياسي واقتصادي يطال العالم بأسره
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية