كتب أكرم بزي..
مقالات
كتب أكرم بزي.. "مخاض ما بعد الهيمنة الأميركية: التوازن الدولي الجديد"
أكرم بزي
28 أيار 2026 , 09:43 ص


تبدأ ملامح التغيير الكوني بالتشكل سريعًا في منطقة "الشرق الأوسط"، حيث تسير عــ..ــمـلـيـة التكيف العالمية، مع عالم ما بعد الهيمنة الأميركية بخطى متسارعة.

ولعل خسارة النفوذ الأميركي في الخليج و"الشرق الأوسط" ليست إلا أولى الضحايا الكثيرة القادمة في هذا الصراع التاريخي، إذ يرى الكاتب والناقد الجيوسياسي البارز توماس فريدمان، عبر مقالاته المتعاقبة الصادرة في صحيفة "نيويورك تايمز" مطلع عام 2026، أنّ السياسة الخارجية والداخلية للرئيس دونالد ترامب تمثل مسارًا تفكيكيًا للمرتكزات الاستراتيجية التي بُنيت عليها القوة الأميركية، معتبراً أنّ الإدارة الحالية تنقل الولايات المتحدة من دولة مؤسسات تحكمها حسابات دقيقة إلى بنية تُدار بمنطق الِارتجال الصرف، والمصالح الشخصية العابرة، والولاءات الضيقة، وهو ما يسميه "بداية الانهيار العظيم للمكانة الدولية للولايات المتحدة".

ويحلل البروفيسور روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية الاستراتيجية، هذه المستجدات في دراساته وتقديراته المنشورة خلال الربع الأول من عام 2026، مبينًا أنّ التحالفات الإقليمية بدأت تتفكك وتتشكل خارج سيطرة الولايات المتحدة تمامًا، في وقت يلوح فيه في الأفق انهيار اقتصادي عالمي وشيك، وتتبلور فيه مصلحة إيرانية حتمية في تبنِّي السلاح النووي لردع القوى المنافسة.

ويوضح بيب: أنّ طهرانَ تتفاوضُ حاليًا مع باكستان وروسيا وسلطنة عمان، من دون إشراك الولايات المتحدة في هذه المحادثات، ما يؤكد أنّ كلَّ دولةٍ في المنطقة بدأت تتحركُ وفقَ مصالِحِها الخاصة، بعدما أدركت أنّ أميركا لم تعد تسيطر على مجريات الأمور، ولم تعد تُشكِّلُ حجرَ الأساسِ لِبِناءِ التحالفاتِ أو الحفاظِ على الأمن الإقليمي.

وتتجلى مظاهرُ هذا التفكُّكِ الجيوسياسيِّ في حريةِ الحلفاءِ التقليديينَ السابقينَ لواشنطن، حيث وصل النقدُ إلى المؤسساتِ الغربيةِ بأكملها، من السلطات التنفيذية والمخابرات إلى المجالس الأمنية ومراكز الدراسات، التي باتت تتحدث علناً عن تعرض أميركا للاهتزاز الِاستراتيجيِّ على المسرح العالمي في الوقت الحالي.

ولم تقف حدود هذا التفكك عند الحلفاء الأوروبيين، بل امتدت إلى عمق الخليج، حيث يُعتَبَرُ خروجُ دولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ من منظمة "أوبك" جزءاً من صورةٍ أكبرَ تُعَبِّرُ عن تفكُّكِ دولِ مجلسِ التعاونِ الخليجي، نتيجة غياب الدور الأميركي الضامن.

وفي المقابل، يرى الخبراء أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمتلك سلطة هائلة، لكنه لم يستخدمها بكفاءة، مما أدى إلى نتائج سلبية مدمرة لمصالح أميركا واقتصاد العالم وقوة منافسيها، وتحوَّلَ سلوكُ إدارته إلى سياسة تفتقر إلى العمق الدبلوماسي والإدراك الاستراتيجي لطبيعة الصراعات الدولية.

وفي سياق متصل، وصلت أزمة النفط العالمية إلى مستوى حَرِجٍ للغاية، حيث يشير البروفيسور بيب، في قراءته للمؤشرات الاقتصاديةِ لعامِ 2026، إلى أنّ المرحلةَ الأولى من الأزمةِ كانت مجرّدَ ارتفاعٍ مُطَّرِدٍ في الأسعار، لكنّ الملامحَ الحاليةَ بدأت تكشِفُ عن نقصٍ فعليٍّ وحقيقيٍّ في إمدادات الطاقةِ العالمية.

ويتوقَّعُ بيب أن تظهرَ آثارُ هذا النقصِ بوضوحٍ كاملٍ لِتَقودَ العالمَ، إلى تضخُّمٍ كبيرٍ وبدايةِ ارتفاعٍ حادٍّ في معدلات البطالة، مُشَبِّهاً الوضعَ الحالِيَّ بما حدثَ في حقبةِ السبعينياتِ، وما كان يُعرف آنذاك بـ"مؤشر البؤس"، حيث وصلت فوائدُ التقسيطِ والقروضِ إلى مستوياتٍ قياسيةٍ بلغت 16 بالمئة، بينما تعيش أميركا اليوم واقعاً قريبًا بنسبة فائدة تصل إلى 6.75 بالمئة، وهو رقمٌ مرتفعٌ بشكلٍ مُذهِلٍ يحتاجُ بالضرورةِ لِلنزولِ إلى مستوى 3 بالمئة.

ولذلك، يتوقع المراقبون أن يُطْلِقَ الناسُ على هذهِ المرحلةِ اِسْمَ "مؤشرَ بؤسِ ترامب"، فور ظهور مفاعيلِهِ الكاملةِ فى الأسواق.

ويتزامن هذا التدهورُ الاقتصاديُّ معَ صِياغةِ إيرانَ لِشُروطٍ جديدةٍ ومشدّدة، للسيطرةِ على مضيقِ هرمز والملفِّ النووي. إذ يحلِّلُ روبرت بيب معنى فتح مضيق هرمز، من وجهةِ النظرِ الإيرانية، بأنَّهُ لن يكونَ مفتوحاً كما كان في السابق، بل سيتطلَّبُ السماحُ بمرورِ السفنِ التنسيقَ المُسبَقَ مع الجيشِ الإيرانيِّ، ودَفْعَ رسومِ عبورٍ تصلُ إلى مليونَيْ دولارٍ لكلِّ سفينةٍ تَمُرُّ مَرَّةً واحدة.

وتسعى إيرانُ، من خلالِ هذا الإجراءِ، إلى جَنْي ِ نحوِ 60 مليارَ دولارٍ سنوياً، بالإضافةِ إلى الأرباحِ الضخمةِ التي ستُحَقِّقُها من بَيْعِ نفطِها الخاصّ، ما يمنَحُها استقلالاً مالياً غيرَ مسبوق.

وفي الوقت نفسه، ترفض طهران العودة إلى المفاوضات النووية وتعتبرها غير مطروحة للنقاش، ما يمهد الطريق لتطوير أسـ..ـلحة نووية في المدى المنظور، وهو ما يراه أكاديميون ومحللون - ومنهم الباحث محمد مبروك في أطروحاته الفكرية الأخيرة - أنه سينهي الصراع العسـ..ـكري بين إيران و"إســـ..ـرائيـل" فورًا وإلى الأبد، لأن عدم امتلاك إيران لهذا السلا ح حاليًا يجعلها عرضة للقصـ..ـف من "إســـ..ـرائيـل"، التي باتت خارج السيطرة الأميركية بعد هيمنة اللوبي الخاص بها على مفاصل الحكم في واشنطن، ما يدفع دول المنطقة كلها، بما فيها السعودية ومصر وتركيا، إلى تبني خيارات نووية لصد الغطرسة "الإســـ..ـرائيـلية".

إنّ التحركات الإيرانية الانفرادية مع باكستان وروسيا تظهر رغبتها الجادة في البروز كمركز رابع للقوى العالمية، وهو تحليل يدعمه البروفيسور بيب الذي أكد نشوء إيران كقوة عالمية رابعة بجانب روسيا والصين وأميركا نتيجة سيطرتها الدائمة على خُمس الطاقة العالمية.

ورغم اختلاف بعض العلماء حول تصنيفها كقوة عالمية مكتملة لمتطلبات العسـ.ـكرة والتحالفات، إلا أنّ الجميع يتفق على أنها في طريقها الحتمي إلى ذلك.

وتحمل هذه التطورات تداعيات عالمية خطيرة، حيث إنّ استنزاف المخزون الأميركي من صـ.ـو اريخ "باتريوت" وأنظمة "ثاد" في "الشرق الأوسط" لحماية حلفائها قد ترك تايوان مكشوفة تمامًا أمام أي تحرك صيني محتمل.

ويعود نجاح الضغط الاقتصادي على إيران في عهد أوباما إلى انضمام روسيا والصين إلى التحالف الأميركي مقابل تنازلات دفاعية في شرق أوروبا، وهي التنازلات التي جرى عكسها لاحقًا للضغط على روسيا، ما جعل موسكو وطهران تنسقان حاليًا ضد عدوهما المشترك، إذ لا يوجد أي دافع يجعل الرئيس فلاديمير بوتين يساعد الولايات المتحدة في ظل حالة حـ..ــربه القائمة ضد الغرب.

وتكشف المراجعة الميدانية أسباب فشل الحـ.ـرب على إيران، حيث أثبتت قدراتها الصاروخية وسرب الطائرات المسـيّرة فعالية هائلة في إصابة الأهداف الاستراتيجية والقواعد الأميركية، ما شكّل قوة ردع لا يمكن تجاوزها، وأظهر في المقابل ضعف الدفاعات الجوية الغربية.

كما أثبتت القوات العسـ..ـكرية الإيرانية تماسكًا داخليًا وميدانيًا كبيرًا رغم اغتيال القادة، بينما عانى الجيش الأميركي من الهشاشة والاضطراب بسبب كثرة الإقالات والخلافات في وزارة الدفاع التي تسبب بها وزير الحـ.ـرب بيت هيغسيث.

وترافق ذلك مع تضارب تصريحات ترامب ومستشاريه وفيديوهاتهم غير المتزنة، التي دلّت على ضعف عام في الإدارة الأميركية، وانحصرت المفاوضات الحالية حول فتح مضيق هرمز فقط، بينما تآكلت كل أوراق الضغط الأميركية المتعلقة بالملف النووي والصـ.ـاروخي.

وأظهرت الحـ.ـرب أنّ واشنطن لا تستطيع فرض سيطرتها بسهولة، في حين تحتاج أميركا و"إســـ..ـرائيـل" إلى نـــصـر حاسم لمعالجة هذه المعضلة، بينما يكفي إيران الصمود والاستمرار في الحــ..ــصـ.ـار المتبادل الذي يهدد الاقتصاد العالمي بالركود والكساد.

وفي هذا الصدد، يتقاطع هذا الطرح مع الآراء الفكرية والاقتصادية المعروفة للبروفيسور ريتشارد وولف، الخبير الاقتصادي الذي يرى في تحليلاته الصادرة خلال النصف الأول من عام 2026 أنّ الإمبراطورية الأميركية تعيش حالة تراجع بنيوي، وأنّ الحروب الاقتصادية والرسوم الجمركية ليست سوى محاولات يائسة لتأخير الانهيار المحتوم والهروب من الأزمات الداخلية الهيكلية.

وتشير الأرقام إلى أنّ الدين العام الأميركي تجاوز عتبة 39 تريليون دولار، مع توقعات بوصول عجز الموازنة إلى نحو 3 تريليونات دولار، مما يؤكد دقة التحذيرات من خروج الوضع المالي عن السيطرة.

وعلى الجانب السياسي والاستراتيجي، جاء مقال المفكر والمحلل البارز روبرت كاغان في مجلة "ذا أتلانتيك" الصادر بتاريخ 10 أيار 2026 تحت عنوان "كش ملك في لعبة الشطرنج الإيرانية" ليقدم تقييمًا صارمًا للمـ..ـواجهة، مؤكدًا أنّ واشنطن تعرضت لهــ..ــزيـمة استراتيجية فريدة لا يمكن تداركها، وأنّ الحملة الجوية التي استمرت 37 يومًا فشلت في انتزاع أي تنازلات سياسية من طهران.

وينبه كاغان في مقاله المنشور في أيار 2026 إلى أنّ أي تصـ..ـعيد عسـ..ـكري إضافي من قبل ترامب أو نتنياهو للهروب من مأزقهما السياسي الداخلي لن يقود إلا إلى تفاقم الأزمة.

فترامب يعاني من ضغوط داخلية وتراجع في الشعبية وفشل زيارته إلى بكين في انتزاع تعهد صيني بوقف تسـ.ـليـح إيران، فيما يعيش نتنياهو وضعًا مأزومًا جراء ضربات مسيّرات "حــ.ـزب الله" في لبنان والخلافات الحادة مع المستوى العسـ..ـكري، لدرجة دفعته إلى كشف زيارته السرية للإمارات لإحباط خصومه السياسيين.

ويختم كاغان تحليله بالتأكيد على أنّ مسعى ترامب الحالي لإبرام "خطاب نوايا" وهدنة لمدة ثلاثين يومًا ليس إلا استسلامًا مقنعًا ومحاولة للانسلال خفية للتغطية على فداحة الهــ..ــزيـمة، ما سيؤدي إلى انهيار العقوبات الدولية وتدفق الأموال إلى طهران وتثبيت نظامها الجديد في مضيق هرمز، لتخرج إيران من هذه الحـ.ـرب الطرف الأقوى والأضمن لنفوذه، بينما تُترك "إســـ..ـرائيـل" في عزلة تامة وتواجه انبعاثًا جديدًا لقوى المـ.ـقاومة ونهاية فعلية لـ"اتفاقات أبراهام".

وذلك هو المصير المحتوم، بحسب هذا الطرح، عندما تتخلى القوة المهيمنة طوعًا عن هيمنتها وتترك المنطقة لواقع جيوسياسي جديد.