هل نحن أمام نسخة
مقالات
هل نحن أمام نسخة "نكبة فلسطينية" ثانية؟, إسرائيل تُحوّل جنوب لبنان إلى "فلسطين" جديدة بمقاولين مدنيين و«محراث المال»
عدنان علامه
11 أيار 2026 , 20:37 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

ما يجري في جنوب لبنان لم يعد مجرد “عمليات عسكرية” مرتبطة بالحرب أو بالحدود، بل تحوّل إلى مشروع تدمير ممنهج للقرى والبنى التحتية، يهدف إلى صناعة واقع ديموغرافي وأمني جديد بالقوة.

والأخطر أن جيش الاحتلال لم يعد يُخفي طبيعة هذه السياسة، بل بات يتحدث عنها علناً عبر صحف إسرائيلية كـ“هآرتس”، التي كشفت تشغيل مقاولين مدنيين يتقاضون مكافآت مالية مقابل عدد المباني التي ينجحون في تسويتها بالأرض، ضمن ما يسميه الجيش الإسرائيلي سياسة "محراث المال".

فهذه ليست مجرد عمليات هندسية، بل نموذج إبادة عمرانية واجتماعية، مستنسخ حرفياً من غزة ورفح وخان يونس. لكن هذه المرة داخل دولة ذات سيادة هي لبنان.

فعشرات الجرافات والحفارات الثقيلة من طراز D9 تعمل بشكل متزامن في القرى الحدودية، فيما تؤمن قوات الإحتلال الحماية العسكرية للمقاولين، الذين تحولوا إلى أدوات تنفيذية في مشروع التهجير القسري.

والخطير في شهادات الضباط الإسرائيليين أنفسهم، أنهم يعترفون بأن الهدف ليس عسكرياً بحتاً، بل خلق “منطقة عازلة” خالية من السكان بعمق يصل إلى 10 كلم، عبر جعل القرى غير قابلة للحياة أو الإعمار أو العودة.

وهنا لا يعود الحديث عن إستهداف مواقع عسكرية، بل عن تدمير منهجي للمنازل والمدارس والطرق وشبكات المياه والكهرباء والأحياء السكنية بكاملها، بما يمنع الأهالي من العودة حتى لو توقف القتال.

فوفق إتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 برعاية أمريكية وفرنسية، ووفق القرار 1701؛ كان يفترض وقف الأعمال العدائية، وإنسحاب الإحتلال واحترام السيادة اللبنانية. لكن ما حدث كان العكس تماماً.

فالمقاومة إلتزمت بتعهداتها وأوقفت عملياتها؛ فيما إستمرت إسرائيل في التدمير اليومي للقرى خلال الهدن وفترات وقف إطلاق النار، حتى إن صحيفة “هآرتس” أقرت بأن أعمال النسف استمرت خلال هدنة نيسان 2026.

وأما مجلس الأمن فلم يكترث لخرق القرار 1701، والولايات المتحدة الضامنة للاتفاق، إكتفت بالصمت رغم 15.000 إعتداء خلال 15 شهرًا، حسب ما وثقته قوات اليونيفيل.

وإن استخدام مقاولين مدنيين لتنفيذ عمليات هدم واسعة يفتح باباً خطيراً على مستوى القانون الدولي.

فالمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر تدمير الممتلكات المدنية إلا لضرورة عسكرية قاهرة، كما أن التهجير القسري للسكان المدنيين يُعد جريمة حرب وفق نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية.

وعندما يصبح الهدم سياسة منظمة وممولة بمكافآت مالية، فإن الأمر يتجاوز “الأضرار الجانبية” ليدخل في إطار التطهير السكاني المقصود.

والأخطر أن الاحتلال يستنسخ التجربة الفلسطينية في عَازة ورفح وخان يونس بحذافيرها.

ففي فلسطين بدأ الأمر بمناطق عازلة وهدم منازل ومنع عودة السكان، ثم تحوّل مع الزمن إلى واقع دائم من الاقتلاع والاستيطان والتغيير الجغرافي.

واليوم تُطرح الأسئلة نفسها في الجنوب اللبناني: هل الهدف فقط منع المقاومة؟ أم فرض واقع ديموغرافي جديد وإقامة شريط حدودي مهجور يشبه ما حدث في فلسطين منذ النكبة؟

حتى بعض الأصوات الإسرائيلية بدأت تعترف بأن ما يجري لا علاقة له بتحقيق “نصر عسكري”.

فالكاتب أوري مسغاف نقل عن ضباط إسرائيليين قولهم إن الجيش “يكذب على الشعب الإسرائيلي”، وإن الجنود يشاركون في التفجيرات “إرضاءً للصهيونية الدينية”. هذا الاعتراف يكشف أن مشروع التدمير مرتبط بعقيدة أيديولوجية إنتقامية أكثر منه بحسابات أمنية.

فقد بدأت الحرب الفعلية على لبنان مع تفجيرات “البيجر” في أيلول 2024 واغتيال السيد حسن نصر الله، ثم توسعت إلى حرب مفتوحة، لكن ما يجري اليوم أخطر من الحرب نفسها.

فالحروب تنتهي عادةً بوقف إطلاق نار، أما تدمير القرى ومنع العودة فيعني محاولة محو الجغرافيا والذاكرة والهوية معاً.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يتحرك المجتمع الدولي قبل أن يتحول جنوب لبنان إلى نسخة جديدة من القرى الفلسطينية المدمرة عام 1948؟

أم أن العالم سيكتفي مرة أخرى بمشاهدة "النكبة" تُعاد بثوب جديد، وجرافات أحدث، ومقاولين يتقاضون المال على أنقاض البيوت؟

وإنَّ غدًا لناظره قريب

11 أيار/مايو 2026