”حين تتقاطع ميتافيزيقيا الخيانة مع ديالكتيك الدمار، لا تستهدف الجغرافيا وحدها، بل تستهدف التاريخ والهوية والذاكرة ومستقبل الأجيال."
في الأزمنة التي تتكاثر فيها الخرائط أكثر مما تتكاثر الحقائق؛ وتتزاحم فيها مشاريع الهيمنة على حساب سيادة الأوطان، لم يعد المشهد السياسي يقرأ بمنظار الوقائع الظاهرة وحدها، بل عبر تفكيك بنيته العميقة واستنطاق طبقاته الكامنة. فخلف الضجيج الإعلامي، وخلف السرديات المتنازعة، تتشكل أنماط جديدة من النفوذ يمكن مقارنتها بمفاهيم الجيوبولتيك، والبارادايم، والسيميولوجيا، والبراغماتية، والإبستمولوجيا، لفهم آليات إعادة إنتاج القوة وتدوير الأزمات في الفضاء الإقليمي.
إن مايمكن تسميته ب ”السايكسبيكوية الجديدة" لا يتمثل بالضرورة في إعادة رسم الحدود على الورق فحسب، بل في إعادة هندسة الوعي ذاته، وصياغة الإدراك الجمعي وفق مقاييس تجعل الإنقسام أمرا طبيعيا، والتبعية لقوى الهيمنة والأطماع، خيارا عقلانيا، والانبطاح والتطبيع ضرورة لا مفر منها. وهنا تتجلى شرعنة الشر بوصفها عملية تحويل الاستثنائي إلى اعتيادي، والمرفوض إلى مقبول، عبر منظومات خطابية وإعلامية وثقافية متشابكة. تتخفى تحت أقنعة من العسل اللفظي، بينما تضمر في باطنها مشاريع تفكيك وهيمنة.
وفي قلب هذه التحولات، تبرز ميتافيزيقيا التخاذل والخيانة باعتبارها حالة تتجاوز الأفراد إلى البنى السياسية نفسها. حين تنفصل بعض النخب عن مصالح شعوبها لصالح حسابات ضيقة أو رهانات خارجية. ومع تراكم هذا النسق، تتشكل جينالوجيا التواطؤ كمسار تاريخي يعيد إنتاج الإختلالات، ويمنح الإستثناءات صفة القاعدة. وهنا مكمن الخطورة.
وفي خضم هذا المشهد المبلد بتناقضات القوة ومفارقات الهيمنة برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين الذين تبنوا مواقف داعمة للقضية المركزية الفلسطينية ورافضة للإنبطاح والتطبيع، وسعت إلى ترسيخ معادلات ردع أسهمت في إعادة تشكيل بعض التوازنات الإقليمية. كما تمسكت بخطاب الاستقلال السياسي ورفض الإملاءات الخارجية. فمنذ عقود ارتبط حضورها في المخيال السياسي لشريحة واسعة من الشعوب العربية والإسلامية بمواقفها الداعمة للقضايا الإسلامية ومؤيدة لحق الشعوب المقهورة في تقرير مصيرها. وفي هذا السياق، لا تقرأ تجربتها باعتبارها مجرد تجربة دولة تسعى إلى حماية مصالحها، بل باعتبارها حالة سياسية وحضارية سعت إلى ترسيخ معادلة ردع في مواجهة التفوق العسكري للقوى الخارجية الإستكبارية وضغوطها، الأمر الذي جعلها محورا دائما للجدل والاستقطاب في الجيوبولتيك الإقليمي. ومن هذا المنظور، يرى أن حضورها لم يقتصر على الحسابات الاستراتيجية البحتة، بل اقترن بما قدمته من دعم ومؤازرة لقضايا التحرر ومقاومة الاحتلال، وبخاصة في فلسطين، حيث تداخل البعد السياسي مع البعد الرمزي في تشكيل صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي.
وفي الختام، إتضح للعالم أجمع أن مستقبل المنطقة لم ولن يحسم فقط عبر ميزان الوعي والقدرة على تفكيك بنى الهيمنة وإعادة الإعتبار لمنطق القانون الدولي وحقوق الشعوب. بل لابد من اللجوء لمبدأ القوة الخشنة، فالعدو لا يفهم لغة الحوار. وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. كما تبرز أهمية تضامن إقليمي واسع يضع حدا لدورات العنف الممنهج من قبل قوات الاحتلال في فلسطين ولبنان وسورية، يعيد الإعتبار لمبدأ السيادة ووحدة الأراضي، بما في ذلك الجولان السوري المحتل ذلك الأمر الذي عبر عنه ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية الدولية أولا. لكن بسبب انسداد الأفق السياسي وتعثر المفاوضات، تصاعدت في الخطاب التحليلي قراءات تتحدث عن ضرورة انتقال الصراع إلى مستويات أكثر حدة. علما أننا أكدنا مرارا وتكرارا على تفادي التصعيد المفتوح، ليبقى خيارا مركزيا لحماية الاستقرار الإقليمي ومنع انزلاق المنطقة إلى دوائر مواجهة واسعة. لكن لم يكن ذلك ليجدي نفعا مع عدو لا يفهم سوى لغة النار.
وبالوقت نفسه لابد من تحريك المشاعر الوطنية والوجدانية الإنسانية تجاه إخوة وأشقاء لنا يتعرضون في الجنوب اللبناني إلى حرب همجية صهيونية تفتك بالحجر والشجر والبشر وتتسبب بأزمة إنسانية كبيرة ومآس هائلة لأهلنا الصامدين الصابرين هناك. فالواجب الوطني والديني والأخلاقي يحسنا على المؤازرة والمساندة وتقديم يد المساعدة لهم. ذلك الأمر الذي يتطلب أولا فتح جبهة الجولان والتحرك العاجل للمقاومة الوطنية السورية، ليس بهدف طرد الغزاة من الجنوب السوري فحسب في سبيل تخفيف الضغط عن الصامدين البواسل في الجنوب اللبناني، أولئك الذين يدافعون عن الشرف والكرامة العربية المهدورة. نعم لا بد من فتح جبهة جديدة توقف عدو الإنسانية عند حده.