عبد الحميد كناكري خوجة: الجهاد، لإجهاد وإجهاض مخططات أحفاد الأحقاد.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: الجهاد، لإجهاد وإجهاض مخططات أحفاد الأحقاد.

”شرعية المواجهة وإنصاف المسار..حين تفرض المقاومة في فلسطين ولبنان وسورية لتحرير الجولان وجبل الشيخ والقنيطرة وكل أرض اغتصبت بغير حق"

قال تعالى في محكم تنزيله: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير}

هذه الآية تظل قاعدة الحق الأساسية التي تؤسس لشرعية المواجهة وقانونية الدفاع عن النفس والأرض. إن حق الشعوب والجيوش في تحرير أراضيها ليس منة يمنها أحد، ولا امتنانا يوهب من سلطة أو مجلس؛ بل هو حق طبيعي أزلي سنة الخالق في كتاب الكون، وأقرت به كل شريعة سماوية وكل ميثاق إنساني عادل. فما بال الشعب الفلسطيني يقاتل في أرضه ويطرد من وطنه. والشعب اللبناني يدفع ثمن صموده بالقصف والاجتياح على مدار العقود، والشعب السوري لا يزال يرى أجزاء من ترابه الجولان وجبل الشيخ والقنيطرة وغيرها رهينة الإحتلال، منتهكة الحرمات، مقطوعة الصلة بأمها سورية؟ إن المقاومة في هذه الساحات المتصلة ليست نزوة غضب ولا رد فعل عابرا؛ بل هي استجابة لحق تقتضيه العدالة، وواجب تفرضه الكرامة، وفرض توجهه الشريعة والقوانين الدولية على السواء. إن هذا الاهتمام بهذه القضايا ليس منبعه تزكية النفس،

فالحق ينتهك والأرض تغتصب، لهذا السبب كان مدخلا لكل ذي حس سليم ووجدان حي.

إن المقاومة المحقة العادلة ليست فزعانا تشعله الأحداث ثم تأكلها الرياح، بل هي عقيدة تتأصل في عمق الوجدان، وحق ترسخه الشرائع والقوانين والأعراف الإنسانية جميعا. هذه هي صفوف المقاومة القانونية في جنوب لبنان وفلسطين والجولان، وغيرها من أجنحة الحق المقاوم حيثما حل الاحتلال؛ فهي كلها خطوط دفاع متصلة يحمل كل موقع منها رسالة واحدة: الأرض لا تسلم، والحق لا ينازل، والكفاح فرض لا يزول بزوال الأزمان.

ولننظر بمنطق الواقع إلى تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ففيها دليل بالغ ودرس مستوفى. لقد حشد العدو الإمبريالي بمؤازرة الكيان المحتل أضخم تجمع عسكري شهدته المنطقة منذ عقود؛ فتوافدت قوات البغي والعدوان والأساطيل من القارات الخمس، وانتشرت حاملات الطائرات في المياه المحيطة، وتمركزت المرتفعات الصاروخية والمراصد التجسسية والاستخبارية على مسافات متداخلة، فضلا عن حصار بحري كامل يقطع الموانئ والممرات المائية، وقصف جوي وصاروخي إستمر أسابيع متوالية، مع وعيد متكرر بتوسيع دائرة العدوان وتدمير البنى التحتية والمراكز الحيوية. وكل ذلك يحلل بعقول منصفة. لم يحقق العدوان أي نتيجة عسكرية مرجوة، ولم يجد تهديد ولا قصف في زعزعة الموقف الإيراني. ذلك ان صلابة الجيش الإيراني وتلاحم الشعب العظيم مع قيادته أوجدا مناعة داخليه لا تخرقها القذائف أو الصواريخ، بينما أثبتت القدرات الصاروخية المتطورة التي يحظى بدقتها ومداها المتخصصون_ أن لطهران ما تدفع به العدوان وتحافظ به على أمنها وحدودها. إن هذه المواجهة تؤكد من زاوية أخرى أن للجمهورية الإسلامية الإيرانية حق طبيعي في الدفاع عن نفسها وترابها وشعبها ومكتسباتها وثرواتها، وأن هذا الحق لا يسقط بكثرة العدد ولا بضخامة العدة.

ومن هنا أيضا أتوجه بكلامي إلى الأحرار الوطنيين من السوريين بلغة المصير المشترك والحكمة المتجردة: إن الوقت ليس فيه شيئا يضيع بل هو معين للعمل المنظم المتكامل. إن فتح مراحل عملية مدروسة لتحرير الجولان وتطهير مرتفعات جبل الشيخ والقنيطرة من رجس المحتل هو خيار منطقي وقانوني ووطني يتوافق مع كل المعطيات الدولية والحقائق الميدانية. إن المقاومة لا تقام فرداى_ ولا تؤسس عشوا، بل تكون بمقدار المعرفة بالموقع والعدو والزمن، وفي الوقت المناسب تكون المبادرة مؤثرة وفعالة. فكل خطوة تخطى نحو الجولان المحتل هي خطوة نحو استكمال للسيادة، وكل عمل منظم هو رد على من يتوهم أن الحدود ترسم بالقوة الغاشمة وليس بالحق والميثاق، فحق استرداد الجولان واجب شرعي ضميري وجداني وطني لا يسقط بالتقادم، وأن كل طريق إلى تحريره مشروع ومقبول ومباح بكل المعايير والأعراف.

فإنها لحقائق لا يجوز أن تطمس بالمكايدات السياسية، ولا أن تتلاشى أمام موج المراوغات الدبلوماسية. إن الجهاد لإجهاد وإجهاض مخططات أحفاد الأحقاد ليس دعوة إلى الفرقة، بل دعوة إلى الوحدة على صراط الحق المستقيم.

فليعلم الجميع أن الأرض لا تشترى ولا تباع، وأن حق التحرير يجري مجرى الماء من العيون لا يمنعه سد ولا يوقفه حاجز. ستبقى فلسطين تنادي، وسيبقى كل شبر من تراب سورية يصرخ، وستبقى قمة جبل الشيخ تنتظر لعودة الراية التي لا تسقط، والقنيطرة التي تحتضن ذكرى أهلها مرتبة الرجوع التي لا ريب فيها. وستظل جميع أجنحة المقاومة البطولية وداعميها سواء في جنوب لبنان العظيم وفلسطين والجنوب السوري سوط إنصاف يلوي عنق المحتلين، حتى يتحقق الوعد الإلهي: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، فالحق مسير، والباطل زهوق، والأرض لمن يقيمها بدمه ويحميها بعزمه. ومن المعلوم أن جميع جبهات الكفاح المنصف وفي مقدمتها المقاومة الوطنية اللبنانية لحق مشروع بالشريعة والقانون العالمي. فلكل من تسول به نفسه الإساءة لها أو مد أصابع السوء فمن الطبيعي أن تشل وتبتر هذه الأصابع التي تمتد إلى حق لا ينال ولا يسامح عليه.

كاتب دمشقي حر.