د . مهدي مبارك عبد الله
في نهاية شهر شباط / فبراير 2026 وعلى امتداد وادي حمير شمال الحدود السعودية وسط الصحراء العراقية بعيدا عن المدن والعيون كانت واحدة من أخطر الوقائع العسكرية والسيادية تتشكل بصمت فيما كانت المنطقة كلها منشغلة بلهيب المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران حيث كشفت مؤخرا تقارير أمريكية وعراقية وإسرائيلية متقاطعة أن إسرائيل نجحت في إقامة قاعدة عسكرية سرية داخل الأراضي العراقية لتكون منصة إسناد متقدمة لحربها ضد إيران في حادثة وصفت بأنها اختراق غير مسبوق للسيادة العراقية وتطور بالغ الخطورة اظهر حجم التحولات التي تضرب خرائط النفوذ والأمن في الشرق الأوسط ويعيد طرح أسئلة مرعبة حول طبيعة الحضور الإسرائيلي الخفي في المنطقة وحجم التنسيق الذي جرى خلف الستار مع الولايات المتحدة والقوى المتحكمة بالمشهد الأمني العراقي
القصة التي انفجرت إعلامياً في مايو عام 2026 لم تكن مجرد تسريب عابر أو شائعة أمنية بل جاءت مدعومة بتفاصيل دقيقة نشرتها صحيفة The Wall Street Journal في التاسع من أيار/مايو 2026 استناداً إلى مصادر أمريكية وعسكرية مطلعة أكدت أن إسرائيل أقامت قبل اندلاع الحرب على إيران قاعدة عمليات متقدمة في عمق الصحراء العراقية وتحديداً في المناطق الممتدة بين النخيب والنجف والأنبار قرب الحدود السعودية وهي منطقة شاسعة قليلة السكان لطالما استخدمت تاريخياً كممر للقوات الخاصة والتحركات العسكرية السرية بسبب طبيعتها الصحراوية القاسية وصعوبة مراقبتها ميدانياً
وفق تلك المعلومات لم تكن القاعدة مجرد نقطة استطلاع محدودة بل مركزاً عسكرياً متكاملاً يضم قوات كوماندوز إسرائيلية ووحدات خاصة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي إضافة إلى فرق بحث وإنقاذ ومعدات طبية متقدمة ووحدات دعم لوجستي ميداني مهمتها الأساسية تأمين الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران وتوفير نقطة إسناد قريبة للتعامل مع أي طارئ قد يصيب الطائرات الإسرائيلية خلال العمليات العسكرية البعيدة عن فلسطين المحتلة بمسافة تتجاوز ألف ميل
أخطر ما في القضية أن التقارير المتواترة أكدت أن إنشاء هذه القاعدة جرى بعلم الولايات المتحدة وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات سياسية واستراتيجية كبرى تتعلق باستخدام الأراضي العراقية كساحة عمليات غير معلنة ضمن الحرب الإقليمية ضد إيران وان وجود مثل هذه القاعدة لا يمكن أن يتم من دون غطاء استخباري وتقني هائل ولا يمكن أن يستمر ايضا من دون ضمانات تتعلق بالسيطرة الجوية والرصد الإلكتروني وطرق الإمداد والتحرك وهو ما يجعل فرضية العلم الأمريكي والتنسيق غير المباشر أقرب إلى الحقيقة من أي احتمال آخر خاصة وأن العراق لا يزال عملياً ساحة نفوذ أمريكي واسعة منذ الغزو عام 2003 وحتى اليوم
إسرائيل من جهتها لم تؤكد رسمياً تفاصيل القاعدة لكن تسريبات الصحافة العبرية وخاصة ما نشرته صحيفة معاريف كشفت بأن الرقابة العسكرية الإسرائيلية كانت تفرض حظراً كاملاً على النشر حول نشاط القاعدة قبل أن تسمح بالكشف الجزئي عنها بعد تقرير الصحيفة الأمريكية وهو ما يعزز مصداقية الرواية ويؤكد أن الأمر لم يكن مجرد تكهنات إعلامية بل هي عملية عسكرية حقيقية شديدة الحساسية
الهدف الإسرائيلي غير المعلن من إنشاء القاعدة يتجاوز مجرد تقصير المسافات العسكرية وتل أبيب كانت تدرك مسبقا أن الحرب مع إيران تحتاج إلى عمق عملياتي متقدم يسمح بمرونة الحركة الجوية وتأمين عمليات الإنقاذ السريع وإدارة وحدات الكوماندوز خلف خطوط المواجهة كما أن وجود القاعدة داخل العراق يمنح إسرائيل قدرة على متابعة المجالين العراقي والإيراني معاً ويحول الصحراء الغربية إلى منصة استخبارية متقدمة لمراقبة التحركات الإيرانية ومسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة فضلاً عن استخدام الموقع كحلقة وصل لعمليات سرية أخرى قد تمتد نحو سوريا أو الخليج
المؤكد عمليا أن إقامة القاعدة في العراق تحمل رسالة سياسية خطيرة مفادها أن إسرائيل باتت تعتبر الجغرافيا العراقية جزءاً من فضاء الحرب الإقليمية المفتوحة وأن الحدود التقليدية للدول لم تعد تشكل عائقاً أمام التمدد الأمني الإسرائيلي خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الداخلي العراقي والانقسام السياسي والتداخل المعقد بين النفوذ الأمريكي والإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية المختلفة
المفارقة الصادمة أن القاعدة لم تُكشف عبر منظومات الرصد الحديثة أو الاستخبارات التقنية بل من خلال راعٍ اغنام عراقي لاحظ نشاطاً غريباً في الصحراء وتحليق مروحيات وحركة عسكرية غير مألوفة فبادر بإبلاغ السلطات العراقية في أوائل مارس / اذار عام 2026 لتتحرك وحدات من الجيش العراقي نحو المنطقة بغرض الاستطلاع والتحقق لكن ما حدث لاحقاً كشف حجم الفجوة الهائلة في ميزان القوة حيث تعرضت القوات العراقية لإطلاق نار كثيف وغارات جوية أجبرتها على التراجع وأسفرت عن مقتل جندي وإصابة آخرين وهذه التفاصيل تكشف شيئًا عميقًا في طريقة اشتغال إسرائيل العملياتية واستعدادها لقتل جنود دولة ليست في حالة حرب معها من أجل صون سر لوجستي غير شرعي
الاشتباك المفاجئ أثار ضجة واسعة داخل العراق رغم انه كان في حينه غامضاً ومبهماً حيث تحدثت بغداد وقتها عن تعرض قواتها لقصف جوي من جهة أجنبية دون تحديد واضح للفاعل بينما جرى توجيه أصابع الاتهام آنذاك إلى الولايات المتحدة قبل أن تكشف التسريبات الأخيرة أن القوات الإسرائيلية هي التي كانت تدافع عن القاعدة السرية وتمنع اقتراب الجيش العراقي منها
رد الفعل العراقي على الواقعة بدا مرتبكاً وحذراً في آن واحد والحكومة العراقية لم تصدر حتى اللحظة موقفاً تفصيلياً حاسماً حول حقيقة القاعدة بينما تحدثت تقارير عن تحرك داخل البرلمان لاستدعاء وزيري الدفاع والداخلية وقيادات أمنية للتحقيق معها في ملابسات القضية ومعرفة كيف تمكنت قوة أجنبية من إنشاء موقع عسكري كامل داخل الأراضي العراقية من دون اكتشافه مبكراً من قبل الاجهزة الامنية والاستخباراتية وفي ذات الوقت تصاعدت الدعوات الشعبية والسياسية لمراجعة الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة ورفع شكوى دولية باعتبار ما جرى انتهاكاً صارخاً للسيادة العراقية واستخداماً للأراضي العراقية في شن عمليات عسكرية ضد دولة مجاورة
الواقعة برمتها كشفت أيضاً هشاشة البنية الأمنية العراقية أمام القوى الدولية والإقليمية سيما وان القوات العراقية التي خاضت حرباً شرسة ضد تنظيم داعش وامتلكت خبرة واسعة في مكافحة الإرهاب لكنها بدت عاجزة عن التعامل مع قوة عالية التقنية مدعومة جوياً واستخبارياً وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش القديم حول طبيعة السيادة العراقية وحدود السيطرة الحقيقية للدولة على مناطقها الصحراوية الشاسعة
محللو الاستخبارات عثروا في صور الأقمار الصناعية على المدرج المؤقت وهو شريط بطول نحو 1.6 كيلومتر مُقام في قاع بحيرة جافة على بعد مائة وثمانين كيلومترًا جنوب غرب كربلاء وقد ظهر في مشاهد مصوّرة قبل أيام من بدء الحرب مباشرة وبحسب ما أفادت به تقارير إسرائيلية أُقيم المدرج بشكل مرتجل ثم اختفى بعدما تضرر بسبب فيضان وقع في المنطقة في منتصف آذار/ مارس الماضي
على جانب اخر يرى بعض المحللون والمراقبون أن إسرائيل لم تكن لتخاطر بإنشاء قاعدة بهذا الحجم داخل العراق لولا قناعتها بأن البيئة الإقليمية الحالية تسمح بذلك وأن الانشغال الدولي بالحرب الكبرى مع إيران منحها فرصة للتحرك في الظل مستفيدة من الفوضى السياسية والتعقيدات الأمنية العراقية كما أن الصحراء الغربية العراقية لطالما شكلت فراغاً أمنياً استخدمته قوى متعددة عبر العقود من القوات الأمريكية إلى تنظيم داعش مروراً بشبكات التهريب والجماعات المسلحة
المعطيات المتداولة تشير إلى أن القاعدة ربما لم تعد قائمة حالياً بعد انكشاف أمرها إعلامياً وسياسياً حيث تحدثت مصادر عراقية عن أن الموقع أصبح خالياً ونظيفاً في إشارة إلى سحب القوات والمعدات الاسرائيلية منه لكن ذلك لا يقلل من خطورة ما حدث لأن القضية الحقيقية لا تتعلق ببقاء القاعدة أو إزالتها بل بحقيقة أن إسرائيل استطاعت فعلاً الوصول إلى عمق العراق وإقامة بنية عملياتية عسكرية متقدمة فيه واستخدامها خلال حرب إقليمية واسعة من دون أن تتمكن الدولة العراقية من منع ذلك أو حتى اكتشافه مبكراً
ختاما : إن أخطر ما تكشفه هذه الفضيحة ليس فقط وجود قاعدة إسرائيلية سرية في العراق بل سقوط أوهام كثيرة تتعلق بطبيعة الصراعات الحديثة وحدود السيادة في الشرق الأوسط وان الحروب لم تعد تبدأ عند الحدود التقليدية بل في المناطق الرمادية وبين التحالفات الخفية وعبر القواعد المؤقتة والعمليات السرية التي تتحرك بعيداً عن الأضواء وما جرى في الصحراء العراقية قد يكون مجرد فصل تمهيدي من حرب استخباراتية وعسكرية أوسع تعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في المنطقة بأسرها بينما يقف العراق مرة أخرى في قلب العاصفة بين صراعات الآخرين وأجنداتهم المتشابكة حيث بات العراق ليس دولة تتعرض للانتهاك فقط بل هو فضاء تتقاطع فيه مشاريع متعددة لا تعترف بالسيادة إلا حين تجد فيها مصلحة
القاعدة العراقية لم تكن استثناءً بل جزءًا من شبكة عملياتية ممتدة تجاوز حجمها ما أُعلن عنه من أي طرف وكالعادة لم يعلّق الجيش الإسرائيلي على التقرير، كما لم تُفصح بغداد عما تعرفه ومع ذلك يبدو ان ما كشفته صحيفة " وول ستريت جورنال " يمثل مجرد رأس جبل الجليد من قصة أكبر
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية