"تَغْرِيبَةُ الرُّوحِ.. وَأَمَانَةُ التُّرَاب"
رَحَلْتِ يا أُمِّي.. رَحَلْتِ وَفِي القَلْبِ غُصَّةٌ، وَفِي العَيْنِ بَقَايَا مِنْ سَرَابِ دِيَارٍ حَالَتْ دُونَهَا الحُرُوبُ وَالمَسَافَات.
ثَلاثَةُ عُقُودٍ وَأَنْتِ تَطْوِينَ الأَرْضَ نُزُوحاً، تَعْجِنِينَ مَرَارَةَ التَّهْجِيرِ بِصَبْرِكِ، وتَحْمِلِينَ الهموم التي هي آخِرَ مَايَمْلِك الغريب حتى في وطنِه، تَبْحَثِينَ عَنْ أَمَانٍ فَقَدْتِهِ فِي مَهَبِّ الرِّيَاح.
لَمْ تَكُنْ رِحْلَتُكِ سَفَراً، بَلْ كَانَتْ "تَغْرِيبَةً" طَوِيلَةً ذُقْتِ فِيهَا الأَمَرَّيْن، وَلَمْ تَعْرِفِي لِلفَرَحِ سَبِيلاً إلا فِي دُعَائِكِ لَنَا. روْيتِ سنيناً طويلة قبل ان تنتزعك الحرب مع والدي تُرْبَةَ الأَرْضِ بِعَرَقِكِ وَكَدِّكِ، وَتَحْلُمِينَ بِيَوْمٍ يَرُدُّكِ إِلَى ثَرَى بَلْدَتِكِ الطَّاهِرَة.. هُنَاكَ حَيْثُ الجُذُورُ، وَحَيْثُ يَنْتَهِي التَّعَب.
"آهٍ يا أُمِّي"..
يُوجِعُنِي القَدَرُ الذي شَاءَ أَنْ تُرْقِدِي اليَوْمَ "وَدِيعَةً" فِي أَرْضٍ غَرِيبَة، بَعِيدَةً عَنِ المَرَاحِ الذي شَهِدَ صِبَاكِ، وعَنِ التُّرَابِ الذي كَانَ وَصِيَّتَكِ الأَخِيرَة. أَعْتَذِرُ إِلَيْكِ يَ، يَا مَنْ عِشْتِ لِغَيْرِكِ وَمُتِّ بِشَوْقِكِ، أَعْتَذِرُ عَنْ عَجْزِي أَنْ أُوَارِيَكِ حَيْثُ شِئْتِ، وَعَنْ كُلِّ ضِيقٍ لَمْ أَسْتَطِعْ مَحْوَهُ عَنْ جَبِينِكِ الصَّابِر.
لَقَدْ سَأَلْتُكِ الصَّفْحَ وَأَنْتِ بَيْنَنَا عن آلامٍ سبّبْتُها لك، وَاليَوْمَ أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَبْلُغَكِ صَوْتِي فِي عُلْيَائِكِ: "سَامِحِينِي يَا أُمِّي" .. سَامِحِي ابْنَكِ الذي لَا يَمْلِكُ الآنَ إِلَّا دُمُوعاً لا تَكْفِي، وَدُعَاءً بِأَنْ يُبْدِلَكِ اللهُ عَنْ شَقَاءِ الدُّنْيَا نَعِيماً لا يَنْفَد، وَعَنْ مَرَارَةِ النُّزُوحِ اسْتِقْرَاراً فِي فَرَادِيسِ الجِنَان.
سَتَظَلِّينَ حَيَّةً فِينَا، وَسَيَظَلُّ تُرَابُ بَلْدَتِكِ يَحْمِلُ اسْمَكِ فِي نَسِيمِهِ، وَسَيَبْقَى عَزاؤُنَا أَنَّكِ ذَهَبْتِ إِلَى رَبٍ رَحِيمٍ، بَعْدَ أَنْ قَضَيْتِ عُمْرَكِ تَحْمِلِينَ اسْمَ بَلْدَتِكِ عُنْوَاناً لِحَيَاتِكِ؛ فَقَدْ عِشْتِ بِـ "حَنِينٍ" لِلأَرْضِ، وَمُتِّ وَنَحْنُ لَكِ فِي "حَنِينٍ" لَا يَنْقَطِع.
حَمَى اللهُ ذِكْرَاكِ يَا أُمِّي، وَسَقَى اللهُ ثَرَى "حَانِين" كَمَا سَقَيْتِنا مِنْ فَيْضِ حَنَانِكِ.