الطريق إلى الشقيف …قوة نارية هائلة وإنجاز محدود ؟!
مقالات
الطريق إلى الشقيف …قوة نارية هائلة وإنجاز محدود ؟!
عباس المعلم
31 أيار 2026 , 20:48 م

إذا ما جرى تجاوز الضجيج الإعلامي المصاحب للإعلان الإسرائيلي، فإن القراءة العسكرية البحتة تفرض التوقف عند حقيقة أساسية تتمثل في أن الوصول إلى محيط قلعة الشقيف لم يكن نتيجة مناورة سريعة أو اختراق عملياتي واسع، بل جاء بعد أشهر من الاستنزاف المتواصل واستخدام كثافة نارية هائلة شملت الطيران الحربي والمسيّرات والمدفعية الثقيلة ووحدات النخبة البرية.

فبعد أكثر من ثلاثة أشهر من القتال المباشر وخمسة عشر شهراً من الضربات الجوية المتواصلة منذ الحرب السابقة، أعلنت القوات الإسرائيلية وصولها إلى محيط القلعة الواقعة على كتف الليطاني، قاطعة مسافة جغرافية محدودة لا تتجاوز خمسة كيلومترات بين مستوطنة المطلة ومرتفعات الشقيف. وهي مسافة تبدو بسيطة على الخرائط العسكرية، لكنها تحولت عملياً إلى واحد من أكثر محاور التقدم تعقيداً وكلفة بفعل طبيعة الأرض وتداخل الوديان والمرتفعات وكثافة النيران المضادة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات الإسرائيلية اضطرت إلى تغيير أسلوب عملها أكثر من مرة، بعدما تعثر التقدم المباشر عبر محور يحمر الشقيف رغم مئات الغارات الجوية والتمهيد المدفعي المكثف. وهو ما دفعها إلى اعتماد أسلوب التسلل بقوات المشاة الخاصة من الجهة الشرقية، في مؤشر واضح على أن التفوق الجوي والتكنولوجي لم يكن كافياً لفرض سيطرة ميدانية مستقرة أو فتح ممرات آمنة أمام القوات المدرعة.

ومن الناحية العسكرية التقنية، تكشف طبيعة القوات المستخدمة حجم الأهمية التي أولتها القيادة الإسرائيلية لهذا المحور. فالزج بالفرقتين 98 و36 إلى جانب ألوية غولاني وجفعاتي واللواء السابع المدرع ولواء النار والوحدة متعددة الأبعاد 888، يعني أن المؤسسة العسكرية دفعت بمزيج يجمع بين قوات الاقتحام والمناورة والمدفعية الدقيقة والحرب الشبكية والاستطلاع المتقدم. كما أن الاستخدام الكثيف للمسيّرات القتالية والانتحارية والروبوتات البرية يؤكد أن الجيش الإسرائيلي سعى إلى تقليل الاحتكاك المباشر مع الأرض قدر الإمكان، وهو سلوك عسكري يعكس ارتفاع مستوى المخاطر والخشية من الخسائر البشرية أكثر مما يعكس سهولة المهمة.

والأهم من ذلك أن هذا التقدم تحقق في منطقة كانت قد فقدت جزءاً كبيراً من بنيتها الدفاعية السابقة بعد قيام الجيش اللبناني بمصادرة وإتلاف منشآت ومعدات عسكرية فيها، ما يعني أن القوات الإسرائيلية لم تواجه في هذا المحور البيئة الدفاعية الكاملة التي كانت قائمة قبل الحرب، الأمر الذي يجعل حجم القوة المستخدمة مقارنة بحجم الإنجاز الميداني موضع تساؤل داخل الأوساط العسكرية نفسها.

أما على المستوى العملياتي، فإن المعيار الحقيقي لا يقاس بالوصول إلى نقطة جغرافية أو رفع علم فوق تلة أو موقع أثري، بل بالقدرة على الاحتفاظ بالموقع وتأمين خطوط الإمداد وحماية القوات المنتشرة فيه وتحويله إلى نقطة ارتكاز تسمح بمواصلة التقدم. وهذه هي المرحلة التي تبدو أكثر تعقيداً بالنسبة للجيش الإسرائيلي، لأن التثبيت الدائم يحتاج إلى انتشار واسع وقوات إضافية وموارد مستمرة، فيما تتحول الوحدات المتمركزة في المواقع المتقدمة إلى أهداف مكشوفة تحتاج إلى حماية دائمة.

سياسياً، لا يمكن فصل ما جرى في الشقيف عن المسار التفاوضي والضغوط المتبادلة الدائرة حول مستقبل جنوب لبنان. فإسرائيل تحتاج إلى إظهار إنجازات ميدانية ملموسة لتوظيفها على طاولة المفاوضات ولإقناع جمهورها الداخلي بأن الحرب تحقق أهدافها المعلنة. ولذلك فإن القيمة السياسية والإعلامية للسيطرة على موقع رمزي بحجم الشقيف قد تكون أكبر من قيمته العسكرية المباشرة، خصوصاً أن القلعة تحمل بعداً تاريخياً ورمزياً يتجاوز مساحتها الجغرافية المحدودة.

وفي المقابل، يبقى التحدي الأكبر أمام إسرائيل مرتبطاً بالهدف الذي أعلنته منذ بداية الحرب والمتمثل في توفير الأمن لمستوطني الشمال. فحتى الآن لا توجد مؤشرات حاسمة على نجاح هذا الهدف، بل إن مسار العمليات أظهر مفارقة لافتة تتمثل في أن التوسع شمالاً لم يؤدِ بالضرورة إلى تقليص التهديدات، بل أدى في كثير من الأحيان إلى توسيع مساحة الاشتباك ورفع كلفة الانتشار العسكري.

وعليه، فإن ما جرى في الشقيف يمكن وصفه بأنه إنجاز تكتيكي محدود ذو قيمة سياسية وإعلامية مرتفعة، لكنه لا يرقى حتى اللحظة إلى مستوى التحول الاستراتيجي القادر على تغيير معادلات الحرب أو حسم نتائجها. فالحروب لا تُقاس بعدد التلال التي يتم الوصول إليها، بل بقدرة الأطراف المتحاربة على فرض أهدافها السياسية والعسكرية النهائية، وهي معركة لا تزال نتائجه بعيدة الحسم ..

عباس المعلم - كاتب سياسي