قبل يومين نهاية تموز وبداية شهر آب وجدت مدينة “سبتة” نفسها في قلب واحدة من أكبر أزمات الهجرة في التاريخ الحديث ، وفقا للسلطات الإسبانية فدخل ما بين 50.000 و60.000 شخص إلى الجيب بطريقة غير شرعية من المغرب بينما عدد سكان المدينة يزيد قليلا عن 80.000 نسمة، ما يعني أن عدد الوافدين إليها في غضون أيام قليلة يعادل نصف سكانها، تم عبور المغاربة وربما ليس فقط مغاربة الحدود بطريقتين الاولى - اقتحام حواجز الأسلاك الشائكة التي يبلغ ارتفاعها ستة أمتار، والثانية- حاول آخرون دخول سبتة عبر البحر سباحة و لقي العشرات حتفهم خلال الاشتباكات ومحاولات العبور، نتيجة التدافع. لمحة عن“سبتة “من الحاضر وإلى التاريخ القديم ،هذه المدينة "سبتة" تعتبر جيب إسباني صغير يقع على الساحل الشمالي للمغرب داخل جغرافية المغرب و خاضعة للسيادة الإسبانية ، أي أنها جزء من منطقة الاتحاد الأوروبي و تشكل كل من مدينتي سبتة مليلة الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي مع أفريقيا.
يمتد تاريخ “سبتة” لآلاف السنين: تأسست المدينة في القرن السابع قبل الميلاد و حكم المدينة تباعا كل من الفينيقيين واليونانيين والقرطاجيين، ثم أصبحت مستعمرة رومانية، ووفقا لإحدى النظريات، إن اسم المدينة مشتق من الاسم الروماني التلال السبعة - سيبتيم فيراريس، أي "الإخوة السبعة" ، بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية خضعت المدينة لسيطرة الوندال والقوط الغربيين والبيزنطيين ، ثم خلال العصر الإسلامي خضعت لحكم السلالات العربية والبربرية لما يقرب من سبعة قرون، ظلت سبتة تحت الحكم الإسلامي و تطورت لتصبح مركزا تجاريا وعسكريا هاما.
كانت نقطة التحول في عام 1415،عندما استولى البرتغاليون على سبتة وغادرها العرب المسلمين و بداية الإمبراطورية البرتغالية وفي عام 1580، خلال اتحاد التاجين البرتغالي والإسباني، أصبحت سبتة تحت السيطرة الإسبانية وعندما استعادت البرتغال استقلالها عام 1640،اختار سكان سبتة البقاء موالين للتاج الإسباني وقد تم تأكيد هذا الخيار بمعاهدة لشبونة عام 1668 ومن عام 1694 إلى عام 1727، تمت محاصرة سبتة من جانب الأراضي المغربية دون جدوى و استمر الحصار لأكثر من ثلاثة عقود وانتهى بانتصار إسباني، وفي عام 1995 نالت مدينة سبتة وضع المدينة ذات الحكم الذاتي في إسبانيا على غرار مناطق أخرى في البلاد ومع ذلك، لا يزال المغرب ينازع إسبانيا على سيادتها على سبتة ومليلة معتبرا إياهما مستعمرتين من قبل إسبانيا ، في المقابل تصر إسبانيا على أن هاتين المنطقتين جزء لا يتجزأ من أراضيها.
تبلغ مساحة المدينة حوالي 18-18.5 كيلومتر مربع ويتعايش فيها سكان مختلف الأديان والأعراق وقد أصبحت هذه المنطقة الصغيرة محط أنظار العالم في الآونة الأخيرة .
مهاجرون ينتظرون العبور إلى جيب سبتة الاسباني، من الجانب المغربي للحدود في منطقة الفنيدق، المغرب، 31 تموز 2026.
وفجاة عبر الى سبتة حوالي 49 ألف شخص برا وبحرا، من بينهم مئات القاصرين بدون اهلهم وخلال ذلك تم انتشال 19 جثة على الأقل من الماء وإغلاق معبر ثانٍ في مليلية ،التي لا تعتبرحالة طارئة معزولة ، بل هي أحدث وأوضح دليل على ان الاتحاد الاوروبي عاجز تماما أو لا يريد التدخل لسبب سياسي مثلا….
وأكد خوان فيفاس، رئيس إقليم سبتة إن الحكومة الإسبانية "لا تدرك الحجم الحقيقي لهذه الأزمة" و ذهب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى أبعد من ذلك، واصفا الدخول الجماعي بأنه انتهاك لوحدة أراضي إسبانيا ، لذلك سارعت مدريد بنشر قوات على الحدود ورفضت إعلان حالة الطوارئ الوطنية وهو إجراء جزئي يعامل الخلل الإنساني والأمني كمشكلة علاقات عامة يجب احتواؤها، بدلا من كونه أزمة يجب مواجهتها.أفادت السلطات الإسبانية أن نحو نصف الوافدين حوالي 25 ألف شخص عادوا طواعية إلى المغرب بحلول 31 تموز و لحق بهم في اليوم التالي البقية وبقي حوالي الخمسة الآلاف يجوبون المدينة و يقتحمون العديد من السوبر ماركتات ومراكز التسوق بحثا عن الطعام والشراب ، وأدى ذلك الى ضغط هائل على البنية التحتية للمدينة و زار رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز المدينة بشكل شخصي في متابعة الأحداث عن قرب و اصدار الأمور لمعالجة هذا الهجوم البشري .
يعتبر الأمن على الحدود الخارجية لأوروبا نظريا من مسؤولية شخصين هما " ماغنوس برونر" مفوض الشؤون الداخلية والهجرة، دوبرافكا شويكا، مفوضة شؤون البحر الأبيض المتوسط وقد شهد كلاهما مؤخرا أزمة عبور كبرى تتكشف أمام أعينهما ولم يكن لدى أي منهما خطة استجابة جاهزة ، تولى برونر ملف الهجرة منذ كانون الأول 2024 وقد أثار تعيينه استغرابا في بروكسل، نظرا لأنه من النمسا التي أتى منه وزيرا للمالية لها تاريخ موثق في معارضة سياسات الهجرة الرئيسية للاتحاد الأوروبي ويعد إنجازه الأبرز هو الميثاق الجديد للهجرة واللجوء ، الذي تصفه المفوضية بأنه بناء "نظام أوروبي مشترك لإدارة الهجرة " قائمٍ على التضامن والمسؤولية بعد مرور أكثر من عام على الاتفاق الرسمي لا يزال العمل جاريا على إدماج هذا الإصلاح في القوانين الوطنية للدول الأعضاء، وكان رد فعله على الأزمة بيانا عاما يدعو فيه المغرب إلى السيطرة "المعابر الخطرة"، وهو نفس النهج الذي استخدم بعد أزمة لامبيدوزا عام 2023، وأزمة ليسبوس والحدود مع بيلاروسيا قبل ذلك و شويكا، بصفتها مفوضة شؤون البحر الأبيض المتوسط ، وكلفت بمهمة بناء شراكات مع المغرب ودول الجوار الجنوبي الأوسع نطاقا في مجالات الهجرة والأمن ومراقبة الحدود وتتمثل إنجازاتها حتى الآن في إعداد وثائق إطارية وجهود للتواصل، منها "ميثاق جديد للبحر الأبيض المتوسط" الذي لا يزال قيد الإعداد واتفاقيات تمويل مثل حزمة الهجرة البالغة 152 مليون يورو التي وقعت مع المغرب عام 2023 من قبل سلفها،إلا أن كل ذلك لم يسفر عن نظام إنذار مبكر أو قناة تنسيق أو خطة طوارئ على عكس ما ظهر جليا في سبتة هذا الأسبوع ، فعندما اندلعت الأزمة لم يكن لمكتبها أي دور فعال.
في المقابل ، تستشهد المفوضية بالتقدم في انخفاض بنسبة 31% في عدد الوافدين عبر طريق غرب البلقان عام 2023، دون الإشارة بخصوص طريق غرب البحر الأبيض المتوسط عبر المغرب، حيث وقعت أزمة هذا الأسبوع تحديدا و لم تطبق "خطط العمل الأربع" والإجراءات المشابهة لأزمة لامبيدوزا بنتائج مماثلة ،بينما فون دير لاين رئيسة الاتحاد الاوروبي صرحت أن الصور الواردة من “سبتة” غير مقبولة وأصرت على أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه السماح بالدخول خارج قواعده ودعت إلى وقف المعابر الخطرة وتفكيك شبكات التهريب وتسريع عمليات الإعادة كان ردها العملي هو تأكيد أنها كلفت برونر و شويكا تحديدا كانت برونر تعمل بالفعل مع إسبانيا ومستعدة للسفر إلى الحدود حيث أعربت فون دير لاين عن ثقتها في أن شراكة الاتحاد الأوروبي مع المغرب "تحقق نتائج ملموسة" ، كما رد المفوضية الأوروبية على نطاق أوسع بنفس النهج بدعوة المفوض “ برونر” للمغرب احتواء "عمليات العبور الخطيرة" ليست خاطئة بقدر ما هي عديمة الجدوى. عندما تعتمد أوروبا على دول مجاورة كالمغرب لحراسة حدودها الخارجية وهذه الدول تدرك ذلك وسواء كان هذا التدفق البشري عملا متعمدا للضغط من قبل الرباط في ظل تحسن العلاقات الإسبانية مع الجزائر, لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق من الضغط الخارجي هو الضغط الداخلي الأوروبي وتلميح بعض المسؤولين الإيطاليين إلى تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن، وإدعاء بأن قيام إسبانيا بتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين هو سبب هذا التدفق الهائل ليس إلا ذريعة ملائمة تتجاهل الأسباب الأكثر إلحاحا على الجانب المغربي من الحدود وجاء رد إسبانيا الغاضب، باستدعاء السفير الإيطالي .
هذا صراع يتجاوز سياسة الهجرة،إنماهو صراع بين كتلة لا تزال تسوق لنفسها على أنها اتحاد مسؤوليات مشتركة، وبين الواقع الملموس الذي يظهر أنه عندما تشتد الضغوط تلجأ الدول الأعضاء والمفوضين المكلفين بتنسيق جهودها إلى إصدار التصريحات بدلا من إظهار الأفعال وسط المزايدات السياسية، ويبقى تحذير المنظمة الدولية للهجرة هو الحقيقة الوحيدة من ان ماحصل هو حالة طوارئ إنسانية، مع ما لا يقل 50 حالة وفاة مؤكدة من بينهم أطفال ، ربما هذه الاختراق البشري ليس عفوي ، ولماذا في هذا التوقيت هل هناك يد لتل أبيب في إيصال رسالة مشتركة إخوانية صهيونية الى القيادة السياسية في إسبانيا التي انفردت في موقفها الصارم والواضح من جرائم الإبادة في غزة وسبب لصعود اليمين المتطرف في اوروبا المعادي للمهاجرين وإحداث مشاكل عنصرية عرقية فيما بعد وأيضا رسالة إلى الجزائر إخوانية مغربية برعاية إسرائيلية ، بينما اكل الشيب رأسنا ونحن ننتظر رئيس صندوق دعم (أورشليم ) الملك وابنة وحفيده ، وفعلا يدعم بصندوقه مشروع تهويد القدس بمعية مستشاريه في البلاط الملكي اليهود ومنذ تأسيس المملكة هم أصحاب الكلمة والفعل مع حكومة إخوانية تنفذ اجندة إسرائيلية كما في كل المنطقة ، تبيح كل شيء في سبيل البقاء في السلطة وحقيقة إن الأخونة والصهينة مشروعين (سرطانين) ينخران جسد الأمة وأثبت ذلك منذ انطلاق بما عرف ب (الربيع العربي) وشاركوا في تدمير كل مركز سياسي وعسكري يمثله نظام عربي تساوى في كل شيء مع بقية الانظمة القمعية ، لكن الفرق أنه قدم شيئا و دعم قضية فلسطين ابتداء من ليبيا الى سوريا وما بينهما من العراق واليمن وحزب الله ، و المحاولة الجارية لتدمير نظام جمهورية إيران الاسلامي .