كتب: موسى عبّاس
لَمْ يَكُنْ جَنُوبُ لُبْنَانَ يَوْماً مُجَرَّدَ جُغْرَافْيَا عَابِرَةٍ عَلَى خَارِطَةِ الصِّرَاعِ، بَلْ كَانَ دَائِماً، فِي عَيْنِ الْأَيْدِيُولُوجْيَا الصَّهْيُونِيَّةِ، "أَرْضاً مَوْعُودَةً" مُؤَجَّلَةً، وَثُغْرَةً فِي حُلْمِ "إِسْرَائِيلَ الْكُبْرَى" الَّتِي تَمْتَدُّ أَطْمَاعُهَا الِاسْتِيطَانِيَّةُ مِنْ ضِفَافِ اللَّيْطَانِي وَمَا بَعْدَهُ. وَالْيَوْمَ، يُعِيدُ التَّارِيخُ إِحْيَاءَ أَطْمَاعِهِ الْقَدِيمَةِ تَحْتَ غِطَاءِ "الْمِنْطَقَةِ الْعَازِلَةِ"، لَكِنْ بِأُسْلُوبٍ أَشَدَّ وَحْشِيَّةً، مُتَمَثِّلاً فِي آلَةِ قَتْلٍ وَتَدْمِيرٍ لَا تَسْتَهْدِفُ الْمُقَاتِلِينَ فِي الْمَيْدَانِ فَحَسْبُ، بَلْ تَسْعَى إِلَى إِبَادَةِ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا فَوْقَ هَذِهِ الْأَرْضِ الطَّاهِرَةِ.
— تَارِيخٌ مِنَ الْإِبَاءِ: جَبَلُ عَامِلَ مَقْبَرَةُ الْغُزَاةِ:
إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ الَّتِي يُطْلِقُ عَلَيْهَا الصَّهَايِنَةُ الْيَوْمَ "الْجَبْهَةَ الشَّمَالِيَّةَ" هِيَ "جَبَلُ عَامِلَ"؛ الْحِصْنُ التَّارِيخِيُّ الَّذِي لَمْ يَسْتَكِنْ يَوْماً لِغَازٍ أَوْ مُسْتَعْمِرٍ. إِنَّ مُقَاوَمَةَ أَهْلِ الْجَنُوبِ لَيْسَتْ وَلِيدَةَ السَّاعَةِ، بَلْ هِيَ إِرْثٌ مُتَجَذِّرٌ فِي هُوِيَّةِ الْأَرْضِ وَإِنْسَانِهَا؛ حَيْثُ قَاوَمَ جَبَلُ عَامِلَ الْمُحْتَلِّينَ عَبْرَ التَّارِيخِ وَعَبْرَ كَافَّةِ الْحُقَبِ:
"الْعَصْرُ الْعُثْمَانِيُّ: وَاجَهَ جَبَلُ عَامِلَ عَسْفَ وَطُغْيَانَ أَوَاخِرِ زَمَنِ الِاحْتِلَالِ الْعُثْمَانِيِّ، وَرَفَضَ الْخُضُوعَ لِسِيَاسَاتِ التَّنْكِيلِ وَالْإِفْقَارِ، وَقَدَّمَ قَادَتُهُ تَضْحِيَاتٍ جِسَاماً لِلْحِفَاظِ عَلَى اسْتِقْلَالِيَّةِ خِيَارِهِمْ وَعُرُوبَتِهِمْ.
"الِاحْتِلَالُ الْفَرَنْسِيُّ":وَمَعَ أُفُولِ الْعُثْمَانِيِّينَ، كَانَ جَبَلُ عَامِلَ سَبَّاقاً فِي إِطْلَاقِ شَرَارَةِ الثَّوْرَةِ ضِدَّ الِانْتِدَابِ وَالِاحْتِلَالِ الْفَرَنْسِيِّ، مُسَجِّلاً مَحَطَّاتٍ بُطُولِيَّةً (كَثَوْرَةِ عَامِ 1920 وَمُؤْتَمَرِ الْحُجَيْرِ الشَّهِيرِ) الَّتِي رَسَّخَتْ مَفْهُومَ الْوَحْدَةِ وَمُقَاوَمَةِ الْمُسْتَعْمِرِ.
"الِاحْتِلَالُ الصَّهْيُونِيُّ": هَذَا الْمِيرَاثُ الْمُقَاوِمُ انْتَقَلَ طَبِيعِيّاً وَتِلْقَائِيّاً عَبْرَ الْأَجْيَالِ لِيُوَاجِهَ الِاحْتِلَالَ الصَّهْيُونِيَّ مُنْذُ نَشْأَتِهِ، فَكَانَتِ الْأَرْضُ وَلَّادَةً لِلْأَبْطَالِ، تَرْفَضُ بِفِيزْيَائِهَا وَتَارِيخِهَا أَنْ تَقْبَلَ بِجِسْمٍ غَرِيبٍ يَتَدَنَّسُ بِهِ تُرَابُهَا.
—حَرْبُ إِبَادَةٍ وَتَدْمِيرٌ مُمَنْهَجٌ: دِمَاءٌ لَا تَمْحُوهَا الْأَيَّامُ:
إِنَّ مَا يَشْهَدُهُ الْجَنُوبُ الْيَوْمَ هُوَ اسْتِمْرَارٌ لِتِلْكَ السِّلْسِلَةِ مِنَ الْحِقْدِ التَّارِيخِيِّ، حَيْثُ تُرْتَكَبُ حَرْبُ إِبَادَةٍ وَمَجَازِرُ بَرْبَرِيَّةٌ بِدَمٍ بَارِدٍ بِحَقِّ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ أَطْفَالٍ وَنِسَاءٍ وَشُيُوخٍ، نَسَفَتْ كُلَّ الْمَوَاثِيقِ الدَّوْلِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ. يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ تَدْمِيرٌ مُمَنْهَجٌ لِلْقُرَى وَالْبَلْدَاتِ الْجَنُوبِيَّةِ؛ حَيْثُ تُمْسَحُ أَحْيَاءٌ تُرَاثِيَّةٌ كَامِلَةٌ، وَتُحْرَقُ الْحُقُولُ، وَتُهْدَمُ الْبُيُوتُ فَوْقَ رُؤُوسِ أَصْحَابِهَا.
هَذِهِ السَّيَاسَةُ، الْقَائِمَةُ عَلَى عَقِيدَةِ "الْأَرْضِ الْمَحْرُوقَةِ"، لَيْسَتْ دَلِيلاً عَلَى الْقُوَّةِ، بَلْ هِيَ تَعْبِيرٌ عَنْ عَجْزٍ عَسْكَرِيٍّ فِي الْمَيْدَانِ؛ إِذْ يُحَاوِلُ الْعَدُوُّ اسْتِبْدَالَ عَجْزِ جُنُودِهِ أَمَامَ ضَرَبَاتِ الْمُقَاوِمِينَ بِصَبِّ حِقْدِ تِرْسَانَتِهِ عَلَى الْحَجَرِ وَالْبَشَرِ، ظَنّاً مِنْهُ أَنَّ كَسْرَ الْبِيئَةِ الْحَاضِنَةِ لِلْمُقَاوَمَةِ سَيَلْوِي ذِرَاعَ الْحَقِّ الْعَامِلِيِّ.
—وَهْمُ "17 أَيَّارَ" جَدِيدٍ: التَّنَازُلُ لَا يَجُرُّ إِلَّا الْهَزِيمَةَ:
فِي غَمْرَةِ هَذَا الدُّخَانِ، يَظُنُّ الْعَدُوُّ، مُتَوَهِّماً، أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بِالْحَدِيدِ وَالنَّارِ فَرْضَ شُرُوطِ اسْتِسْلَامٍ سِيَاسِيَّةٍ، أَوْ تَمْرِيرَ "اتِّفَاقِ 17 أَيَّارَ" جَدِيدٍ بِصِيغَةٍ عَصْرِيَّةٍ تُكَبِّلُ سِيَادَةَ لُبْنَانَ وَتَمْنَحُ الصَّهَايِنَةَ مَكَاسِبَ أَمْنِيَّةً عَلَى حِسَابِ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ.
وَهُنَا يَجِبُ أَنْ يَسْمَعَ الْعَالَمُ كُلُّهُ: إِنَّ "اتِّفَاقَ 17 أَيَّارَ جَدِيدٍ لَنْ يَمُرَّ."دفَعَتِ الْمُقَاوَمَةُ وَشَعْبُهَا أَثْمَاناً بَاهِظَةً لِإِسْقَاطِ مَفَاعِيلِ ذَاكَ الِاتِّفَاقِ الْمَشْؤُومِ فِي ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، وَالتَّارِيخُ لَنْ يَعُودَ إِلَى الْوَرَاءِ. إِنَّ تَجَارِبَ الصِّرَاعِ مَعَ هَذَا الْعَدُوِّ أَثْبَتَتْ حَقِيقَةً ذَهَبِيَّةً وَاحِدَةً: "التَّنَازُلُ لَا يَجُرُّ إِلَّا تَنَازُلاً آخَرَ"، وَالتَّرَاجُعُ خُطْوَةً أَمَامَ الْمَطَامِعِ الصَّهْيُونِيَّةِ يَعْنِي فَتْحَ الْبَابِ أَمَامَ ابْتِلَاعِ الْوَطَنِ بِأَكْمَلِهِ. مَنْ يُفَرِّطْ بِسِيَادَتِهِ الْيَوْمَ تَحْتَ وَطْأَةِ الضَّغْطِ، لَنْ يَجِدَ غَداً أَرْضاً يَقِفُ عَلَيْهَا.
—كُلْفَةُ الِاسْتِسْلَامِ مُقَابِلَ كُلْفَةِ الْكَرَامَةِ:
يُحَاوِلُ الْبَعْضُ التَّرْوِيجَ لِفِكْرَةِ أَنَّ الِاسْتِسْلَامَ وَالْخُضُوعَ قَدْ يَجْلِبَانِ السَّلَامَ وَيُوَفِّرَانِ التَّضْحِيَاتِ. لَكِنَّ التَّدْقِيقَ فِي شَوَاهِدِ التَّارِيخِ وَالْوَاقِعِ يُثْبِتُ الْعَكْسَ تَمَاماً: **إِنَّ ثَمَنَ الِاسْتِسْلَامِ وَالْخُضُوعِ أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ ثَمَنِ التَّضْحِيَاتِ وَالْحِفَاظِ عَلَى الْكَرَامَةِ وَالْعِزَّةِ.**
"الِاسْتِسْلَامُ" يَعْنِي الْعَيْشَ تَحْتَ رَحْمَةِ الِاحْتِلَالِ، وَالْقَبُولَ بِالذُّلِّ، وَالتَّهْجِيرَ، وَالتَّحَوُّلَ إِلَى لَاجِئِينَ فِي وَطَنِنَا، وَتَوْطِينَ الْمَطَامِعِ الصَّهْيُونِيَّةِ فِي مِيَاهِنَا وَأَرْضِنَا.
أَمَّا "الْمُقَاوَمَةُ"، وَرَغْمَ كُلْفَتِهَا الْعَالِيَةِ مِنْ دِمَاءِ خِيَرَةِ الشَّبَابِ وَالْأَبْنَاءِ، فَهِيَ الثَّمَنُ الَّذِي تَدْفَعُهُ الشُّعُوبُ الْحُرَّةُ لِتَشْتَرِيَ بِهِ حُرِّيَّتَهَا، وَتَحْمِيَ بِهِ عِرْضَهَا، وَتَصُونَ بِهِ مُسْتَقْبَلَ أَجْيَالِهَا. الْكَرَامَةُ لَهَا ثَمَنٌ، وَأَبْنَاءُ جَبَلِ عَامِلَ اخْتَارُوا عَبْرَ الْعُقُودِ أَنْ يَدْفَعُوا هَذَا الثَّمَنَ وُقُوفاً لَا رُكُوعاً.
—النَّصْرُ حَتْمِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ وَإِلَهِيَّةٌ:
لَا حَلَّ مَعَ هَذَا الْعَدُوِّ الْإِحْلَالِيِّ إِلَّا بِالْمُقَاوَمَةِ، مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ غَزِيراً؛ فَالْحُقُوقُ لَا تُسْتَجْدَى عَلَى طَاوِلَاتِ الْمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ الْمُنَافِقِ، بَلْ تُنْتَزَعُ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَإِرَادَةِ الثَّبَاتِ.
إِنَّ هَزِيمَةَ الصَّهَايِنَةِ فِي جَنُوبِ لُبْنَانَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِرَاءَةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ أَمْنِيَّةٍ، بَلْ هِيَ "حَتْمِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ قَادِمَةٌ لَا مَحَالَةَط"، تَصْنَعُهَا سَوَاعِدُ الْأَبْطَالِ الْمَيَامِينِ فِي الْمَيْدَانِ؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَى الْجِهَادِ حَتَّى النَّصْرِ أَوْ الشَّهَادَةِ، فَصَارَتْ أَجْسَادُهُمْ مَتَارِيسَ، وَرُؤُوسُهُمْ تُطَاوِلُ السَّمَاءَ، وَابْتِكَارَاتُهُمُ التَّكْتِيكِيَّةُ تَكْسِرُ هَيْبَةَ "الْجَيْشِ الَّذِي لَا يُقْهَرُ".
بِفَضْلِ دِمَاءِ هَؤُلَاءِ الْأَبْطَالِ، وَبِفَضْلِ صَبْرِ الْعَوَائِلِ الَّتِي قَدَّمَتِ الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ، سَيُزْهِرُ هَذَا التُّرَابُ نَصْراً مُجَدَّداً. فَالْمَعْرَكَةُ وَإِنْ طَالَتْ، فَإِنَّ خَوَاتِيمَهَا يَكْتُبُهَا أَصْحَابُ الْأَرْضِ، وَالنَّصْرُ قَادِمٌ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَوَعْدُهُ صَادِقٌ لَا يَتَخَلَّفُ.