لُبنانُ في مَهَبِّ
مقالات
لُبنانُ في مَهَبِّ "الارتهانِ": الكرامةُ الوجوديَّةُ ليست وجهةَ نظرٍ
موسى عباس
5 حزيران 2026 , 12:10 م

.كتب: موسى عبّاس

لَم يَعُدِ الأمرُ مُجرَّدَ خِلافٍ سياسيٍّ حولَ إدارةِ أزمةٍ أو مُفاوضاتٍ عابرةٍ؛ ما يشهدهُ لُبنانُ اليومَ هو مُحاولةٌ مكشوفةٌ لاختزالِ تاريخِهِ، وجُغرافِيَّتِهِ، وتضحياتِ أهلِهِ في "اتفاقِيَّةِ إذعانٍ" جديدةٍ، تلبسُ ثوبَ الدِّبلوماسيَّةِ زُوراً، وتخفي بين طياتِها خِنجراً مسموماً يهدفُ إلى ضربِ أُسُسِ *الوجودِ الحُرِّ والاستقلالِ الناجزِ*.

إنَّ ما يُروَّجُ له اليومَ تحتَ مسمّى "المناطقِ النَّموذجيَّةِ" ليس إلَّا "اتفاقَ ١٧ أيارٍ" بنسخةٍ أكثرَ انحطاطاً. أن يجلسَ المُفاوضُ اللُّبنانيُّ – المَهزومُ نفسياً أمامَ الإملاءاتِ الأمريكيَّةِ – ليناقشَ شُروطاً تفرضُ تفكيكَ بِنيةِ المُقاومةِ، وتحويلَ الجيشِ الوطنيِّ إلى "حارسِ حُدودٍ" لمصلحةِ الكيانِ الصُّهيونيِّ، هو خيانةٌ موصوفةٌ لكلِّ قَطرةِ دَمٍ سُكِبَت على تُرابِ الجنوبِ.

هؤلاءِ الذين يراهنونَ على "الميكانِيزمِ" الأمريكيِّ كضامنٍ لأمنِهم، ينسونَ – أو يتناسونَ – حقيقةَ التاريخِ التي تَجلَّت في "معركةِ الخندقِ". حينَ كانَ المُسلمونَ مُحاصرينَ، وقد بَلغتِ القلوبُ الحناجرَ، والبردُ والجوعُ والخوفُ ينهشُ أجسادَهم، كانَ هناكَ مَن يرى في تلكَ الظُّلمةِ المُحيطةِ فَجراً قادماً، وكانَ النبيُّ ﷺ يَضربُ في الخندقِ صخرةً فيرى فيها قُصورَ كِسرى وقيصرَ، بينما كانَ المُنافقونَ يتهكَّمونَ قائلينَ: "يَعِدُنا بِكُنوزِ كِسرى وقيصرَ وأحدُنا لا يأمنُ على نفسِهِ أن يذهبَ إلى الخلاءِ!".

اليومَ، يتكرَّرُ المشهدُ ذاتُه؛ يرى الناسُ في "الكيانِ الصُّهيونيِّ" قُوَّةً أبديَّةً، وطائراتٍ لا تُقهرُ، ودَعماً غربياً لا يلينُ، فيظنُّونَ أنَّ الواقعَ المادِّيَّ المُتمثِّلَ في القصفِ والدمارِ هو الحقيقةُ المُطلقةُ. ولكن، تماماً كما سَخِرَ المُنافقونَ مِن وَعدِ الرسولِ ﷺ في لحظةِ ضَعفٍ، يسخرُ اليومَ المهزومونَ في نُفوسِهم مِن كلِّ مُؤمنٍ يرى زوالَ هذا الكيانِ حقيقةً حتميَّةً. إنَّهم لا يفقهونَ أنَّ القُوَّةَ حينَ تَصِلُ إلى ذُروةِ استكبارِها، تبدأُ في داخلِها عَواملُ التآكلِ، وأنَّ الطُّغاةَ لا يَخلُدونَ مهما تعاظمت تِرساناتُهم.

إنَّنا أمامَ لحظةٍ تاريخيَّةٍ فاصلةٍ: إمَّا أن ننتصرَ لهويَّتِنا الوطنيَّةِ ونحميَ بَلدنا مِن التَّفتُّتِ، أو نتركَ هذه السُّلطةَ لتقودَنا نحو الانكسارِ الذي تُريدُهُ الرَّغباتُ الصُّهيونيَّةُ. لن يَمُرَّ هذا الاتفاقُ، ولن يتحوَّلَ الجيشُ اللُّبنانيُّ إلى أداةٍ بيدِ الكيانِ الصُّهيونيِّ. فالمُقاومةُ ليست مُجرَّدَ سِلاحٍ يُنزَعُ، بل هي يَقينٌ لا يتزعزعُ، وإيمانٌ بأنَّ مَن صَمَدَ في الخندقِ حينَ تكالبتِ الأُمَمُ، لا يمكنُ أن يُهزَمَ وهو يرى تَصدُّعاتِ الكيانِ تتَّسعُ يوماً بعدَ يومٍ.

لقد علَّمنا التاريخُ أنَّ كُلَّ جبروتٍ إلى زوالٍ، وأنَّ القُوَّةَ لا تُقاسُ بما تَملكُه مِن تكنولوجيا، بل بما يملكُه أصحابُ الحقِّ مِن يَقينٍ. جبلُ عاملٍ ليس ساحةً لتجاربِكم، والمُقاومةُ باقيةٌ، والكيانُ الصُّهيونيُّ - مهما بدا قوياً - فهو إلى زوالٍ، ومَن لا يرى هذا اليقينَ اليومَ، سيعلمُ حينَ تنجلي الغُمَّةُ أنَّ "الواقعَ" الذي كانَ يخشاهُ، لم يكن سوى وَهمٍ عابرٍ أمامَ إرادةِ قومٍ لا يركعونَ إلَّا للهِ.

لُبنانُ ليس للبيعِ، والقرارُ الحُرُّ ليس قابلاً للتَّفاوضِ. وسيعلمُ الذينَ ظَلموا أيَّ مُنقلبٍ يَنقلبونَ.

الأكثر قراءة حكاية حركتين
حكاية حركتين
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً