الذكاء الاصطناعي بين الدعاية السياسية وصناعة الزعيم
مقالات
الذكاء الاصطناعي بين الدعاية السياسية وصناعة الزعيم "الديكتاتور"
عدنان علامه
18 أيار 2026 , 16:52 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في السياسة، مجرد أداة تقنية لتحسين التواصل أو شرح البرامج الانتخابية، بل تحوّل تدريجيًا إلى وسيلة لإعادة تشكيل صورة الزعيم، وتحويله إلى "أيقونة فوق بشرية"، تهيمن على الفضاء الرقمي وتحتكر المشهد العام.

وما نشره وسينشره البيت الأبيض، وحسابات مرتبطة بالرئيس ترامب، من صور مولّدة بالذكاء الأصطناعي، لا يمكن قراءته بإعتباره مجرد مادة دعائية عابرة، بل يعكس إنتقالًا خطيرًا من تسويق السياسات إلى تسويق" الزعيم الديكتاتور".

فالبيت الأبيض، بوصفه مركز القرار التنفيذي والسياسي والعسكري في الولايات المتحدة، يفترض أن يكون منصة لإدارة الدولة وصناعة السياسات والتعامل مع الأزمات الدولية، لا مسرحًا لإنتاج صور خيالية تُظهر الرئيس وكأنه ملك متوَّج، أو بابا، أو شخصية خارقة لا تُهزم.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل ما يجري هو ترويج سياسي طبيعي، أم محاولة لصناعة هالة شبه دينية حول شخص الرئيس؟

إن أخطر ما في صور الذكاء الاصطناعيالسياسية، أنها تتجاوز الواقع والإنجازات الفعلية لتدخل إلى عالم "الرمزية النفسية".

فعندما يُنشر صورة رئيس "بصورة الملك"، فهذا لا يخاطب العقل السياسي، بل يستهدف اللاوعي الجماعي، عبر تكريس صورة “الحاكم المطلق”. وعندما يظهر بلباس البابا أو في هيئة السيد المسيح عليه السلام ، فإن الأمر لا يعود مجرد سخرية أو إستفزاز إعلامي، بل يتحول إلى توظيف خطير للرموز الدينية في صناعة الزعامة السياسية.

وأما الصور التي تُظهر ترامب باعتباره "المختار من الله" ، أو الرجل الذي لا يستطيع أحد إيقافه، أو القائد الكوني الذي يقف العالم خلفه، فهي تعكس نمطًا من الدعاية يقوم على "عبادة الشخصية"، أكثر من كونه خطابًا ديمقراطيًا.

وهذا النموذج ليس جديدًا في التاريخ؛ فقد استخدمته أنظمة شمولية عديدة، عبر تحويل القائد إلى رمز يتجاوز المؤسسات والدساتير وحتى الدولة نفسها.

فالذكاء الاصطناعي منح هذه الدعاية قوة غير مسبوقة، لأنه قادر على إنتاج صور فائقة التأثير خلال ثوانٍ، ونشرها بسرعة هائلة عبر المنصات الرقمية، ما يسمح بصناعة واقع بصري وهمي بديل، يطغى على الحقائق السياسية.

فالناس تتفاعل اليوم مع الصورة أكثر من البيان الرسمي، ومع الرمز أكثر من الأرقام والوقائع. وهنا تكمن خطورة السيطرة على الفضاء الرقمي عبر الصور المولَّدة إصطناعيًا.

كما أن هذه الصور، تُستخدم لصناعة الانطباع النفسي بالقوة المطلقة.

فصورة ترامب على هيئة جيمس بوند أو بطل من "حرب النجوم" أو قائد بحري يستعد للعاصفة (المعركة البحرية) في ظل وجود قطع بحرية عسكرية إيرانية في الصورة، ليست مجرد تصاميم ترفيهية، بل رسائل نفسية تهدف إلى ربط شخصه بالقوة الخارقة، والقدرة على الحسم والحرب والإنتصار. أي أنها محاولة لتسويق "الشخصية المنقذة" بدل محاسبة الأداء السياسي الحقيقي.

والمفارقة أن هذا النوع من الدعاية، يتزامن مع تصاعد الأزمات الداخلية والخارجية الأمريكية، من الانقسام المجتمعي إلى الحروب الإقتصادية والعسكرية.

وبدل التركيز على معالجة تلك الملفات، يجري إغراق الفضاء الرقمي بصور بطولية تعزز الإستقطاب، وتدفع نحو تسييس الدين والرموز العقائدية لخدمة صورة الرئيس ترامب.

وإن أخطر ما قد يخلقه الذكاء الاصطناعي سياسيًا، هو تحويل الديمقراطية إلى "مسرح بصري"، تُدار فيه الجماهير عبر الإنبهار العاطفي، لا عبر النقاش العقلاني.

وعندما تصبح صورة الرئيس أهم من السياسات، يصبح المجال العام مهيأً لهيمنة الشعبوية، وصناعة "القائد الديكتاتور" الذي لا يُمكِن إنتقاده.

لهذا فإن معركة المستقبل لن تكون فقط حول من يملك السلاح أو الاقتصاد، بل أيضًا حول من يملك القدرة على السيطرة على الوعي الرقمي وصناعة الإدراك الجماهيري عبر الذكاء الاصطناعي.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في الصور بحد ذاتها، بل في تحويل التكنولوجيا إلى أداة لتقديس السلطة وتذويب الحدود بين السياسة والدعاية والأسطورة.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

18 أيار/مايو 2026