عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
تشكل الإتفاقيات الدولية، والبيانات القانونية الناظمة لملفات الحروب، ووقف العمليات العدائية، مادة خاضعة لأحكام صلبة في القانون الدولي العام، لا سيما إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969).
إن تحليل ما يُسمى "اتفاق وقف إطلاق النار" الأخير، بموجب بيان الخارجية الأمريكية، ومقارنته باتفاق 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 (الخاص بالقرار 1701)، يظهر بوضوح عيوباً بنيوية تقود إلى بطلان الإتفاق بطلاناً مطلقاً؛ وتضع الأداء الرسمي في خانة التماهي مع الاحتلال، وفق النموذج التاريخي لـ "حكومة فيشي" الفرنسية.
أولاً: المقارنة البنيوية بين اتفاق نوفمبر 2024 والإتفاق الحالي.
#وجه المقارنة
إتفاق 27 تشرين الثاني / نوفمبر و2024 (وفق قرار مجلس الأمن 1701)، والإتفاق الحالي (وفق بيان الخارجية الأمريكية)
إن الإطار القانوني مستند إلى قرار مجلس الأمن 1701، برعاية وضمانة أمريكية-فرنسية؛والبيان الثلاثي (إسرائيل + لبنان + أمريكا) خارج الأطر الأممية المباشرة.
#موقف المقاومة
- إلتزمت المقاومة بوقف العمليات العدائية بالكامل (دون إطلاق رصاصة واحدة منذ توقيع الإتفاق وحتى 02 آذار / مارس الماضي؛ وشهد الرئيس عون بذلك خلال الإحتفال بمرور العام الأول من عهده).
- غياب تام لأي ممثل عن المقاومة (حzب الله) المعني الفعلي بوقف إطلاق النار.
#سلوك العدو
- إستغلال إلتزام لبنان لشن تدمير ممنهج وتطهير عرقي وعمراني بغطاء أمريكي، وتخلّي السلطتين الرئاسية والتنفيذية عن مهامها في الدفاع عن سيادة لبنان وحماية المواطنين.
- منح إسرائيل "حق الدفاع عن النفس" حرَاوهرعَ المقاومة، وتشريع تمدد الاحتلال والتهجير القسري.
#المرجعية الدستورية
* محاولة الإلتفاف على وثيقة الوفاق الوطني (الطائف).
* صدام مباشر مع الدستور وإعلان المقاومة "عدوًا للبنان".
ثانياً: الثغرات القانونية القاتلة وبطلان الاتفاق
1-2 تنص المادة 52 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على : "تعتبر المعاهدة باطلة بطلاناً مطلقاً إذا تم إبرامها نتيجة التهديد بالقوة أو إستخدامها".
2-2 إنتفاء صفة التمثيل والتزام الطرف المحارب:
إن إبرام اتفاق بغياب الطرف الأساسي الذي يمتلك القوة التنفيذية على الأرض (المقاومة)، يجعله اتفاقاً ساقطاً من الناحية الإجرائية، إذ لا يمكن إلزام طرف ثالث ببنود لم يوقع عليها.
#شبهة الخيانة العظمى وتنازع الولاءات:
إنْ. ترؤُس السفير سيمون كرم للوفد اللبناني، وهو يحمل الجنسية الأمريكية، يمثل خرقًا فاضحًا لسيادة الدولة؛ فقَسَم الولاء الأمريكي يوجب عليه قانوناً، تقديم مصالح الولايات المتحدة وخدمتها (بما فيها العسكرية) على أي مصلحة أخرى، مما يشكل حالة فادحة من "تنازع الولاءات" وتأكيد التبعية للإملاءات الخارجية.
#مخالفة الدستور اللبناني (ميثاق الطائف):
تنص الفقرة الثالثة من وثيقة الطائف صراحة، على أن بسط سلطة الدولة يتم بعد إزالة الاحتلال إزالة كاملة. وبالتالي، فإن حظر سلاح المقاومة أو تجريمها في ظل احتلال يتمدد ويتجاوز 1300 كلم² هو طعن مباشر في الدستور.
ثالثاً: التكييف الجنائي ومسار الخطايا الثلاث (نموذج حكومة فيشي)
إن سلوك السلطة التنفيذية المتمثلة بحكومة الرئيس سلام ورئاسة الجمهورية، عبر التخلي عن الواجب الدستوري في الدفاع عن الشعب والسيادة، يماثل تماماً سلوك "حكومة فيشي" التي ترأسها مارشال بيتان عام 1940 إبان الاحتلال النازي لفرنسا، حيث تحولت السلطة الرسمية إلى أداة لقمع المقاومة الوطنية، وتأمين مصالح المحتل.
وقد تكرس هذا المسار عبر ثلاث خطايا سيادية وقانونية:
1- الخطيئة الأولى (5 و7 آب/ أغسطس 2024)
إقرار "ورقة الأهداف الأمريكية" المتضمنة حصر سلاح المقاومة والالتفاف على الدستور في ظل وجود الإحتلال.
2- الخطيئة الثانية (2 آذار/مارس 2026)
إقرار مجلس الوزراء بأن "المقاومة وأعمالها هي خارج إطار القانون" في ذروة العدوان الإسرائيلي.
3- الخطيئة الثالثة
(05 حزيران/ يونيو 2026 إتفاق وقف أطلاق النار الحالي):
التوقيع على نص يعتبر المقاومة عدواً للبنان، بالتزامن مع تدمير العدو لأكثر من 120 قرية، وممارسة التطهير العرقي، والتهجير القسري الذي طال مؤخراً قرى شرق صيدا.
وفي الخلاصة القانونية:
إن أي اتفاق توقع عليه السلطة التنفيذية، تحت وطأة الضغط العسكري واستغلال النزوح والتهجير، لانتزاع تنازلات سياسية، يُصنَّف في القانون الدولي كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. وبناءً عليه، فإن الإدارة الأمريكية شريك كامل في العدوان، والوفد اللبناني المفاوض مشارك في المؤامرة، مما ينزع أي قيمة قانونية أو شرعية عن هذا الاتفاق.
ولا بد من الإكيد بأن أعمال المقاومة بوجود الإحتلال هو حق شرعي وقانوني وكرسته المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية الأخرى وتنص المادة 51 على : "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس - بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق - من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".
ولا بد من التذكير بأن قوات الإحتلال لا تملك حق الدفاع عن النفس؛ وما بُنِيَ على باطل فهو باطل.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
06 حزيران/ يونيو 2026