بين النار والرصد… كيف يطوّر حزب الله قدراته الاستخباراتية تحت الحرب؟
مقالات
بين النار والرصد… كيف يطوّر حزب الله قدراته الاستخباراتية تحت الحرب؟
عباس المعلم
18 أيار 2026 , 21:52 م

الاستهداف الأخير الذي أعلن عنه حزب الله ضد آلية تعود لقائد اللواء 300 في مستوطنة شوميرا، لا يمكن قراءته بوصفه ردًا ميدانيًا عابرًا على استهداف مدنيين على الخط الساحلي بين بيروت وصيدا، بل هو حدث يحمل في داخله مجموعة واسعة من المؤشرات العسكرية والاستخباراتية المرتبطة بطبيعة الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل وحزب الله، وبالتحولات التي أصابت شكل المواجهة منذ اندلاعها. فالعملية بحد ذاتها تكشف أولًا أنّ الحزب، رغم حجم الضغط العسكري الهائل الواقع على لبنان من الجو والبر والبحر، لا يزال يحتفظ بقدرة فعالة على الرصد والتعقب وتحديد الأهداف النوعية داخل بيئة عملياتية شديدة التعقيد. وهذا بحد ذاته تطور بالغ الأهمية، لأن الحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم النيران، بل بمن يمتلك القدرة على جمع المعلومات الدقيقة وتحويلها إلى إصابة عملية ومباشرة في التوقيت المناسب. إسرائيل خلال هذه الحرب اعتمدت بصورة أساسية على محاولة إنهاك بيئة المقاومة عبر الضربات الجوية الواسعة، واستهداف البنية التحتية، والاغتيالات، ومحاولة فرض تفوق استخباراتي مطلق يسمح لها بكشف حركة القيادات والمجموعات والوسائط العملانية، لكن ما يظهر ميدانيًا أن حزب الله نجح، ولو بدرجات متفاوتة، في الحفاظ على جزء أساسي من منظومة “الاستمرارية العملياتية”، أي القدرة على الرصد، واتخاذ القرار، ونقل المعلومات، وتحديد بنك أهداف، وتنفيذ الردود تحت النار وفي ظروف حرب مفتوحة. والأهم في العملية الأخيرة أنّها تحمل دلالة تتجاوز البعد الناري المباشر، فاستهداف آلية مرتبطة بقيادة ميدانية داخل اللواء 300 يعني أن الحزب لا يعمل فقط بمنطق الرد العشوائي أو الرمزي، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على مبدأ “الرد الدقيق المرتبط بالحدث”، أي اختيار هدف يحمل قيمة عسكرية أو قيادية أو معنوية مرتبطة بسياق الاعتداء نفسه. هذا النمط من الردود يكشف تطورًا واضحًا في الدمج بين العمل الاستخباراتي، والرصد اللحظي، وإدارة الطائرات المسيّرة، والتحليل الميداني السريع، ضمن ما يشبه “غرفة عمليات قتالية مرنة” قادرة على العمل رغم الاستنزاف المتواصل. كما أنّ استخدام المحلّقات الانقضاضية في هذا النوع من الاستهدافات يعكس تحولًا تدريجيًا في طبيعة الحرب نفسها، فالمواجهة لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ التقليدية بعيدة المدى، بل باتت ترتكز بصورة متزايدة على المسيّرات الهجومية، والذخائر الدقيقة، والرصد الإلكتروني، والحرب الشبكية، وإدارة بنك أهداف متحرك. وهنا تكمن إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه الجيش الإسرائيلي حاليًا، فالتعامل مع المسيّرات الصغيرة أو المتوسطة لا يشبه التعامل مع الصواريخ التقليدية، لأن هذه الوسائط تمتلك بصمة رادارية منخفضة، وقدرة عالية على المناورة، وإمكانية الوصول الصامت إلى الأهداف، خصوصًا في البيئات الحدودية والجبلية المعقدة. ولذلك تظهر في الإعلام العبري خلال الأشهر الأخيرة إشارات متكررة إلى القلق المتزايد داخل الوحدات الميدانية الإسرائيلية من “المسيّرات الصامتة”، التي باتت تشكل عنصر استنزاف نفسي وعسكري دائم بسبب صعوبة اكتشافها واعتراضها بشكل كامل. أما على مستوى التناسب بالرد، فالعملية تحمل أيضًا رسالة واضحة مرتبطة بقواعد الاشتباك، فاستهداف سيارات مدنية على طريق ساحلي حيوي قابله استهداف هدف عسكري نوعي داخل مستوطنة حدودية، بما يعكس محاولة تثبيت معادلة تقوم على “الرد العسكري المقابل للضغط الميداني”، من دون الذهاب بالضرورة إلى انفجار شامل وفوري للمواجهة. وفي البعد الأعمق، تكشف هذه التطورات أنّ الحرب الحالية لم تعد مجرد تبادل نار تقليدي، بل تحولت إلى معركة متعددة الطبقات تشمل الاستخبارات، والمراقبة، وتحليل البيانات، والرصد الإلكتروني، والحرب النفسية، وإدارة الاستنزاف طويل الأمد. ومن هنا تحديدًا، يصبح امتلاك “العين الأوسع” و”القدرة الأدق على الوصول” عاملًا لا يقل أهمية عن امتلاك القوة النارية نفسها، لأن الحرب الحديثة تُحسم تدريجيًا لمن ينجح في البقاء قادرًا على الرؤية والعمل تحت النار، لا فقط لمن يملك القدرة على إطلاق المزيد من القذائف.

عباس المعلم - كاتب سياسي