من باكو إلى بربرة ... كيف بنت إسرائيل شبكة قواعد عسكرية سرية حول إيران ؟
مقالات
من باكو إلى بربرة ... كيف بنت إسرائيل شبكة قواعد عسكرية سرية حول إيران ؟
مهدي مبارك عبد الله
7 حزيران 2026 , 14:27 م

د . مهدي مبارك عبد الله

ما بين باكو عاصمة أذربيجان الواقعة في منطقة القوقاز على الضفة الغربية لبحر قزوين وبربرة المدينة الساحلية الاستراتيجية في إقليم صوماليلاند على خليج عدن في القرن الإفريقي وعبر هاتين النقطتين الجغرافيتين البعيدتين يمتد عنوان المقال لعرض وتحليل واقع التحركات الاسرائيلية وحجم التموضعات العسكرية والأمنية السرية التي كشفت مؤخرا

المعطيات المتزايدة حول الانتشار الإسرائيلي في عدد من الدول المحيطة بإيران بدأت تكشف عن تحول استراتيجي عميق يتجاوز فكرة التحالفات التقليدية أو التعاون الأمني المؤقت خاصة وان إسرائيل تعمل بصورة متسارعة على بناء شبكة متقدمة من المواقع والقواعد ونقاط الارتكاز التي تمنحها قدرة أكبر على المراقبة والتأثير والتدخل في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطراباً في محاولة لإعادة رسم خرائط القوة والأمن في المنطقة

من يتابع خريطة الحضور الإسرائيلي المتنامي في القوقاز والخليج والقرن الإفريقي يدرك أن الأمر لا يتعلق بإجراءات أمنية متفرقة أو ترتيبات ظرفية فرضتها المواجهة مع إيران بل بمشروع استراتيجي متكامل يهدف إلى توسيع مجال الحركة الإسرائيلي خارج الحدود التقليدية وبناء منظومة نفوذ قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية لسنوات طويلة قادمة

خلف الأخبار المتلاحقة نجد ان إسرائيل لم تعد تنظر إلى أمنها القومي من زاوية حدودها الجغرافية المباشرة كما كان الحال في العقود السابقة بل باتت تتعامل مع المنطقة بأكملها باعتبارها ساحة عمليات مفتوحة يجب أن تمتلك فيها القدرة على المراقبة والتأثير والتدخل عند الحاجة ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بإقامة شبكات أمنية وعسكرية واستخباراتية بعيدة عن أراضيها تمتد من القوقاز إلى الخليج العربي والعراق وصولاً إلى القرن الإفريقي

عمليا هذا التحول لا يرتبط فقط بالمواجهة مع إيران وإنما يعكس عقيدة استراتيجية أعمق تقوم على نقل خطوط الاشتباك إلى خارج المجال الإسرائيلي وجعل أي مواجهة مستقبلية تدور بعيداً عن الداخل الإسرائيلي قدر الإمكان وبدلاً من انتظار التهديدات على حدودها تسعى تل أبيب إلى الاقتراب من مصادر هذه التهديدات ومراقبتها والتأثير عليها قبل أن تتحول إلى خطر مباشر

من منظور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يبدو ان الموقع الجغرافي للدولة العبرية يفرض عليها تحديات كبيرة بسبب ضيق المساحة وقلة العمق الاستراتيجي لذلك لطالما سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تعويض هذا النقص عبر بناء شبكات تحالفات وقواعد نفوذ خارجية توفر لها ما يشبه العمق الأمني البديل ولهذا السبب لم يعد النشاط الإسرائيلي يقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الدول المجاورة بل تمدد إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن تل أبيب

إسرائيل تدرك جيدا أن أي صراع كبير مع إيران لا يمكن حسمه اعتماداً على القدرات العسكرية التقليدية وحدها وهي تحتاج إلى مصادر معلومات قريبة ومستمرة وإلى نقاط انطلاق لعملياتها الاستخباراتية والعسكرية ومن هنا تبرز أهمية مناطق مثل أذربيجان التي تمنحها فرصة الاقتراب من الحدود الإيرانية الشمالية ومراقبة التحركات العسكرية والمنشآت الحساسة بصورة أكثر فعالية مما يمكن تحقيقه من مسافات بعيدة

ربما لا يقتصر الأمر على جمع المعلومات فحسب بل يتصل أيضاً بإدارة الحروب الحديثة التي تعتمد على الطائرات المسيرة والعمليات الخاصة والحرب الإلكترونية والاختراقات الأمنية المعقدة وكلما اقتربت مراكز الرصد والاتصال من أهدافها ازدادت فعاليتها وانخفضت الكلفة التشغيلية والمخاطر العسكرية المصاحبة لها

العراق يمثل بالنسبة لإسرائيل أهمية مختلفة تتعلق بموقعه الجغرافي الواقع بين إيران وسوريا والخليج ومن يملك القدرة على الحركة داخل هذه المساحة الجغرافية الواسعة يستطيع مراقبة خطوط الإمداد ومسارات النقل والتحركات العسكرية التي تربط أطراف ما يسمى بمحور المقاومة ولهذا فإن أي حضور أمني أو استخباراتي داخل العراق يمنح إسرائيل ميزة استراتيجية تتجاوز حدود الساحة العراقية نفسها

بالنظر الى منطقة الخليج العربي نلاحظ ان الحسابات أكثر تعقيداً وإسرائيل لا تنظر إلى دول الخليج بوصفها مجرد شركاء سياسيين أو اقتصاديين بل باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية إقليمية جديدة تسعى إلى تشكيلها في مواجهة التحديات المشتركة ومن هذا المنطلق يصبح التعاون الأمني والعسكري أمراً طبيعياً في نظر صناع القرار الإسرائيليين حتى وإن بقي جزء منه بعيداً عن الأضواء أو خاضعاً لحسابات سياسية وإعلامية دقيقة

أما في القرن الإفريقي فقد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي محتدم بسبب موقعه المشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم ومن يراقب التطورات الجارية هناك يدرك أن الصراع لم يعد مقتصراً على النفوذ الاقتصادي أو السياسي بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة والطاقة ولهذا تنظر إسرائيل إلى أي موطئ قدم في تلك المنطقة باعتباره استثماراً استراتيجياً طويل الأمد يمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها ومراقبة التحولات الإقليمية

اضافة الى جميع ذلك نجد أن اختيار مواقع الانتشار الإسرائيلي لم يكن عشوائياً بل استندت إلى حسابات جيوسياسية دقيقة سيما وان القواعد أو نقاط الارتكاز المنتشرة بالقرب من الممرات البحرية الدولية أو الحدود الإيرانية أو خطوط الطاقة والتجارة تمنح إسرائيل قدرة استثنائية على مراقبة التحولات الإقليمية والتأثير فيها وهو ما يعني أن الهدف في الاساس لا يقتصر على العمل العسكري المباشر بل يشمل ايضا امتلاك أوراق ضغط سياسية واقتصادية وأمنية يمكن استخدامها عند الحاج.

التحركات الاسرائيلية المتواصلة تكشف عن تحول مهم في طبيعة الدور داخل المنطقة وإسرائيل لم تعد تكتفي بالدفاع عن حدودها أو الرد على التهديدات الآنية بل باتت تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها بما يضمن استمرار تفوقها العسكري والاستخباراتي لعقود مقبلة وهذا ما يفسر الاهتمام المتزايد بإقامة شبكات نفوذ تمتد عبر دول ومناطق متباعدة جغرافياً لكنها مترابطة استراتيجياً

كما تكشف هذه الشبكة عن تحول مهم في مفهوم الحرب لدى إسرائيل نفسها فبعد عقود كانت تعتمد فيها بصورة رئيسية على سلاح الجو والتفوق التكنولوجي داخل نطاق جغرافي محدود أصبحت اليوم تتجه نحو انشاء بنية تحتية أمنية وعسكرية خارجية تتيح لها خوض ما يشبه حرب المسافات البعيدة وهذا التحول لا يرتبط فقط بإيران بل يعكس استعداداً إسرائيلياً لمواجهة بيئة إقليمية أكثر تعقيداً تتعدد فيها ساحات الصراع والتهديدات المحتملة

غير أن هذا التوسع لا يخلو من مخاطر كبيرة لان إقامة قواعد أو منشآت أو شبكات عمل سرية داخل دول أخرى يمثل انتهاكاً واضحاً لمبدأ السيادة الوطنية ويخلق توترات سياسية وأمنية قد تنفجر في أي لحظة كما أن الدول التي تسمح بهذا النوع من النشاط قد تجد نفسها جزءاً من صراعات إقليمية لا ترغب أصلاً في الانخراط فيها

من جهة أخرى إن توسع النفوذ الإسرائيلي خارج حدوده قد يدفع القوى الإقليمية المنافسة إلى اعتماد السياسات ذاتها الأمر الذي يفتح الباب أمام سباق نفوذ واستخبارات وقواعد عسكرية يهدد بمزيد من عدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من أزمات مزمنة وحروب ممتدة

الأخطر من ذلك أن انتشار القواعد والشبكات الأمنية السرية قد يحول العديد من الدول إلى ساحات مواجهة غير معلنة بين القوى المتنافسة وبدلاً من أن تبقى الحروب محصورة بين أطرافها المباشرين تصبح أراضي دول أخرى جزءاً من المعركة دون أن تكون طرفاً أساسياً فيها وهو ما يزيد احتمالات التصعيد ويضاعف حجم المخاطر على الأمن الإقليمي

لا يمكن في هذا الشأن ايضا اغفال النتائج المحتملة لهذا التوسع وان المنطقة قد تشهد خلال السنوات المقبلة سباقاً متزايداً لإنشاء قواعد ونقاط نفوذ مضادة وكلما اتسعت رقعة الحضور الإسرائيلي خارج حدوده ستسعى القوى الإقليمية الأخرى إلى تطوير شبكاتها الخاصة من التحالفات والتموضع العسكري وهو مسار قد يقود إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية للشرق الأوسط والقرن الإفريقي بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة

الخلاصة : التحركات الإسرائيلية الأخيرة لا تبدو مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة فرضتها ظروف المواجهة مع إيران بل تعكس توجهاً استراتيجياً طويل المدى يقوم على بناء طوق نفوذ واسع يحيط بمراكز القوة في المنطقة ويمنح إسرائيل القدرة على التدخل والمراقبة والتأثير من مسافات بعيدة وبينما ترى تل أبيب في هذا النهج ضمانة لتفوقها وأمنها القومي فإن كثيرين في المنطقة ينظرون إليه باعتباره مشروعاً توسعياً جديداً يتجاوز حدود الدفاع المشروع إلى محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد تكون فيه إسرائيل اللاعب الأكثر حضوراً وتأثيراً في خرائط الشرق الأوسط والقرن الإفريقي وما حولهما

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]