د. حمزة العلاوي / العراق
كلما كبرنا
كثرت هاءات اسئلتنا
تارة لم نفهم المعنى
وأخرى لم نعي المبنى
وثالثة لم نسمع،،، فنطلب التكرار
هي ذي الدنيا
تأخذ اجور البقاء مقدماً
كل ليلة بكوم من القلق
وكل نهار بكيل من التعب
حتى اختلطت علينا الساعات
وفقدنا لذة الليل
وترانيم المساء
كاننا نغني بلا اصوات
ونرقص على النياح
ونصرخ بأفواه ملجمة
كل الأشياء باتت باهتة
تفقد المعنى
ابتسامات كقشور البرتقال
تنتهي باول جرح ولن تعود
وضحكات سوداء
كجوف البئر
مازال يردد صدى صوت يوسف
كلما سمع عن الوفاء
ونحن هنا نكرر الاسئلة
ونفتش عن الأجوبة
في دهاليز الهاوية
لعلنا نمسك خيط الحقيقة
من بين أشعة الوهم
و ظنيات الاحاديث المؤرخة
يفصح عنوان قصيدة الشاعر العراقي(علي الوائلي)عن كم من الهموم التي تختبىء خلف اسئلته؛فضلا عن استثارة المتلقي، ليعيد حساباته،وتوقعاته عند التمعن فيه.يظهر العنوان كذلك الحركة الاستمرارية لتوالي هذه التساؤلات التي تبحث عن استجابات ثاوية بين اسطر صفحات المتلقي.
(كلما كبرنا
كثرت هاءات اسئلتنا
تارة لم نفهم المعنى
وأخرى لم نعي المبنى
وثالثة لم نسمع،،، فنطلب التكرار)؛
يتخذ من -كلما كبرنا-كدلالة للتكرار،والتعاقب الزمني، بالتحولات المادية ،الروحية،والذهنية.تعامل النص مع سيرورة الاحداث وصيرورتها. اتخذ من صوت الهاءات المتنوعة نحويا ،دلالة التعبير عن الآهات،التأوهات، والحسره، لانها اصوات مهموسة. يعد المبنى والمعنى،كالجسد والروح، فضلا تحقيق التوازي التركيبي بين الجملتين ،الذي يخلق ايقاعا موسيقيا،يجذب المتلقي الى النص. يظهر النص للمتلقي صورتان:العقلية-الوعي، والصورة الذهنية الحسية- الفهم؛ وبات الشاعر مشتتا بينهما لكثرة الهاءات المتصلة والمنفصلة، وعدم ادراكه المبنى والمعنى/اللفظي والمعنوي لفكرة ما،لما يضمناه من التحليل الذاتي ،الموضوعي.جاء طلبه_ التكرار_ لتوافق مع الجملة الاولى من النص _كلما_ والتي تعد مفتاح الدخول من باب النص_ العنوان_ وهذا مايرسم ايقاعا موسيقيا،ويعمل على سبك النص ليخرجه الى دائرة الجمال الفني واللغوي ؛ وبالتالي تمكن من مزاوجة الصورة الصوتية،والصورة التركيبية ،وتناغمهما مع دلالة المعاناة النفسية التي صاحبته في حلمه الباطن.يعمل الشاعر على تعزيز رصانة النص الشعري بالانزياح العددي من خلال استخدام ،(تارة،ومرة وثالثة)؛فهذا جاء خروج عن المألوف في الترتيب ،فضلا عن تنوع النغمة الموسيقية في النص.
(هي ذي الدنيا
تأخذ اجور البقاء مقدماً
كل ليلة بكوم من القلق
وكل نهار بكيل من التعب
حتى اختلطت علينا الساعات
وفقدنا لذة الليل
وترانيم المساء
كاننا نغني بلا اصوات
ونرقص على النياح
ونصرخ بأفواه ملجمة)؛
يعمل الشاعر على سبك النص من خلال الحذف ؛ فأصل اسم الاشارة (ذي)،هو(هذي) حذفت منه هاء التنبيه.يوظف الليل والنهار كتعاقب زمني يحمل دلالة الحياة،ويجعل من المفردتين_القلق والتعب في مقابلة _ البقاء،كدلالة تعبر عن عمق الصورة الباطنية،وتشوية الصورة العقلية والادراك الذهني.فقدت سيرورة الزمن بوصلتها،وصعبت على الصيرورة صياغة الصورة المرئية،نتيجة الانشغال بحساب العيش،بعيدا عن حساب الزمن .تعبر لذة الليل عن دلالة الهدوء التأمل، اللقاء والمناجاة؛وترانيم المساء عن دلالة التطريب والتغني الزاخر بالعواطف والاحاسيس. كان ايقاع الغناء الصمت؛ والرقص ايقاعه الحزن؛ فضلا عن عدم بوح الافواه بالصوت، لهجود كابوس الليل عليها .يكرر حرف الواو كرابط بين الجمل الشعرية ،ويعزز تماسك النص.يردد صوت النون الجهور الاغن ،الذي يعبر عن دلالة الحزن،المعاناة والتشتت،والتي جاءت لتتوافق مع معاناة الشاعر النفسية؛اما صوت القاف المجهور والمقلق، يعبر عن الشدة والانفتاح، والاهتزاز الصوتي ،ويناظر الصمت عند الشاعر.كان الغرض من تكرار حرف الميم مع النون، تزويد النص بالغنة: الصوت الخفيف، الذي يحمل دلالة الانين.جاءت اصوات الغنة، والاهتزاز لتحقق التوازن بين الصمت والصوت في النص ؛ وهذا ما يخلق نوعا لسبك النص.
(كل الأشياء باتت باهتة
تفقد المعنى
ابتسامات كقشور البرتقال
تنتهي باول جرح ولن تعود
وضحكات سوداء
كجوف البئر
مازال يردد صدى صوت يوسف
كلما سمع عن الوفاء)؛
يحفل النص بتوالي التكرار للفظة _كل_وانتقاله من الجزء الى الكل،وباتت الاشكال باهته ،الفاظ بلا معنى :ضياع المبنى والمعنى.ينوع في توظيفه لادوات التشبيه،تارة يستخدم كأن،وتارة يكرر كاف التشبيه ،لغرض توكيد مقصدية الكاتب، وايصال الفكرة للمتلقي.يستخدم التوازي التركيبي ما بين/باهته -تفقد/ابتسامات،ضحكات/تنتهي ولن تعود/ برتقالي، الاسود/مازال،كلما/البئر،يوسف /: هذا ما يعزز التباين والتماثل،ويمنح النص الموسيقى الداخلية ،واستمرار حركته.
يوظف التناص الديني من قصة يوسف كمعادل موضوعي، يتفاعل مع الواقع،لما تحمله الآية من حيوية وديناميكية ، تماثل الحالة النفسية،والتعبيرية لذاته﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾[ يوسف: 10]؛تحمل هذه الآية دلالة الصبر وتحمل مصائب الدنيا،وكذلك دلالة الخيانة،وهذا ما يقرب من الوضع الذي يمر به الشاعر. يتخذ من تكرار صوت الكاف دلالة التشبية ،والهمس الذي يوازي همس الابتسامات، وهذا ما يحقق التوازن الصوتي بين الهمس،وصدى صوت قراءة قصة يوسف.
(ونحن هنا نكرر الاسئلة
ونفتش عن الأجوبة
في دهاليز الهاوية
لعلنا نمسك خيط الحقيقة
من بين أشعة الوهم
و ظنيات الاحاديث المؤرخة)؛
يستخدم أسلوب الالتفات، لا يتكلم بالضمير-انا- بل بضمير الجمع -نحن-من أجل الحفاظ على سبك،وحبك النص، وتحقيق مقبوليته لدى المتلقي.يمنح نصه قافية متتالية موزونة ،تهب النص جرسا موسيقيا خارجيا ،يتوافق والصوت الموسيقيي النابع من حضور تكرار-التاء- المهموسة ،والتي وردت في داخل النص لتعبر عن دفعات الحزن المكبوتة والمنفوثة مع هذا الصوت .تختتم القصيدة بوجود تضاد ما بين الحقيقة والوهم ،والتي تمنح النص حركة ديناميكية، تدهش المتلقي،وتعمل على اثراء النص بنغمة موسيقية. وبالتالي، يستقرىء الشاعر الواقع عبر عملية عقلية مجردة.