رغم وفرة الغذاء عالميا وارتفاع الإنتاج الغذائي خلال العقود الأخيرة، ما يزال نحو 150 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم، وهي حالة تعني أن الطفل أقصر من المعدل الطبيعي بالنسبة لعمره.
ويشير باحثون إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص الطعام، بل قد ترتبط أيضا بقدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية والاستفادة منها، وهي عملية تلعب فيها صحة الأمعاء دورا أساسيا.
الميكروبيوم المعوي تحت المجهر
سلطت دراسة حديثة الضوء على دور "الميكروبيوم المعوي"، وهو مجتمع ضخم من البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تعيش داخل الجهاز الهضمي.
وأوضح الباحثون أن هذه الكائنات الدقيقة تساعد الجسم على تكسير الكربوهيدرات المعقدة وتحويلها إلى مواد يمكن امتصاصها واستخدامها في النمو والتطور.
وبحسب الدراسة، فإن النظام الغذائي يوفر المواد الخام الأساسية، بينما يساعد الميكروبيوم في استخراج القيمة الغذائية منها.
الفقر يؤثر على وظائف الجسم
أشار الباحثون إلى أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق فقيرة أو أحياء تفتقر إلى الصرف الصحي يتعرضون باستمرار للبكتيريا والملوثات والنفايات، مما قد يؤدي إلى الإصابة بحالة تُعرف باسم "الخلل المعوي البيئي".
وتسبب هذه الحالة التهابات مزمنة في الأمعاء تعيق امتصاص الدهون والبروتينات والفيتامينات، حتى في حال توفر الطعام بشكل كافٍ.
تأثيرات طويلة الأمد على الصحة والدماغ
يرتبط التقزم غالبا بتأخر النمو العقلي وضعف القدرات الإدراكية، وهي مشكلات قد تستمر مدى الحياة وتؤثر على الصحة العامة وفرص التعليم والوضع الاقتصادي مستقبلا.
ويرى العلماء أن سوء التغذية والبيئات غير الصحية خلال السنوات الأولى من العمر قد يتركان آثارا دائمة على نمو الدماغ والجسم.
تجارب كشفت دور البكتيريا المعوية
أظهرت دراسات أُجريت في دول مثل مالاوي أن نقل بكتيريا الأمعاء من أطفال يعانون سوء التغذية إلى حيوانات صغيرة أدى إلى إصابتها بمشكلات في النمو.
في المقابل، ساعدت بكتيريا مأخوذة من أطفال أصحاء على استعادة النمو الطبيعي.
وتشير هذه النتائج إلى أن اضطراب الميكروبيوم قد يكون سببًا مباشرًا في ضعف النمو، وليس مجرد نتيجة لسوء التغذية.
أهمية تنوع البكتيريا النافعة
يوضح الباحثون أن الميكروبيوم الصحي يتميز بتنوع كبير في الكائنات الدقيقة وقدرته على الحفاظ على وظائفه الحيوية رغم التغيرات البيئية.
كما كشفت بعض الدراسات أن أطفال التقزم يمتلكون أنواعا من البكتيريا الفموية تنمو داخل مناطق غير طبيعية من الأمعاء، ما يعرقل امتصاص الدهون والعناصر الغذائية الضرورية للنمو.
فجوات بحثية في أفريقيا
رغم وجود دراسات واسعة في آسيا وبعض مناطق أفريقيا، يرى الباحثون أن أفريقيا جنوب الصحراء ما تزال تعاني نقصا كبيرا في الأبحاث طويلة المدى المتعلقة بالميكروبيوم وصحة الأمعاء.
وأكدوا أن اختلاف الأنظمة الغذائية والبيئات بين الدول يعني أن الحلول الفعالة في منطقة معينة قد لا تنجح في مناطق أخرى.
ما الحلول المطلوبة؟
دعا الباحثون إلى تبني استراتيجيات شاملة لمكافحة التقزم، بدلًا من التركيز على توفير الغذاء فقط.
وتشمل التوصيات:
تحسين خدمات المياه والصرف الصحي
مراقبة نمو الأطفال بشكل دوري
دراسة وظائف الأمعاء وليس الوزن والطول فقط
دعم أبحاث الميكروبيوم في أفريقيا
دمج التغذية مع الرعاية الصحية المبكرة
مستقبل علاجات موجهة للأمعاء
يرى العلماء أن أبحاث الميكروبيوم قد تساعد مستقبلا في تطوير علاجات جديدة تستهدف تحسين صحة الأمعاء مباشرة، وربما تحديد الأطفال الأكثر عرضة للتقزم عبر تحاليل بسيطة للبراز أو الدم.
كما قد تفتح هذه الدراسات الباب أمام اكتشاف بكتيريا نافعة تساعد الجسم على امتصاص الدهون والفيتامينات بشكل أفضل وتحسين النمو لدى الأطفال.