كتب: موسى عبّاس
لَمْ تَعُدِ السُّلْطَةُ فِي لُبْنَانَ تُخْفِي وَجْهَهَا، وَلَا عَادَتْ تَبْحَثُ عَنْ مَسَاحِيقِ تَجْمِيلٍ لِخِيَانَاتِهَا. مَا كَانَ يُسَوَّقُ بِالْأَمْسِ عَلَى أَنَّهُ "اجْتِهَادَاتٌ رِئَاسِيَّةٌ" وَ"مُبَادَرَاتٌ إِنْقَاذِيَّةٌ"، انْكَشَفَ الْيَوْمَ عَارِيًا كَشَمْسِ تَمُّوزَ؛ مَشْرُوعٌ سِيَاسِيٌّ مُتَكَامِلُ الْأَرْكَانِ، تَتَقَاطَعُ فِيهِ مَصَالِحُ غُرَفٍ سَوْدَاءَ بِالدَّاخِلِ مَعَ إِمْلَاءَاتٍ تُمْلَى مِنَ الْخَارِجِ. مَشْرُوعٌ يَبْدَأُ بِنَزْعِ سِلَاحِ الْمُقَاوَمَةِ وَتَكْمِيمِ صَوْتِهَا، وَيَمُرُّ عَبْرَ الْهَرْوَلَةِ لِتَطْبِيعٍ مُذِلٍّ، وَيَنْتَهِي بِإِعَادَةِ عُمَلَاءِ الْعَدُوِّ لِتَبْيِيضِ صَفْحَتِهِمْ، وَاسْتِكْمَالِ مَا عَجَزَتْ عَنْ تَحْقِيقِهِ آلَةُ الْحَرْبِ الصهيونيَّةُ.
—الِانْقِلَابُ عَلَى الْمِيثَاقِ.. حُكْمُ الْفَرْدِ فَوْقَ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ
تَجَاوَزَتْ هَذِهِ السُّلْطَةُ الدُّسْتُورَ، وَدَاسَتْ فَوْقَ الْمَحْظُورِ الْأَخْلَاقِيِّ وَالْوَطَنِيِّ.
حِينَ يَُطبخ فِي الْغُرَفِ الْمُغْلَقَةِ قَانُون "عَفْوٍ عَامٍّ" مَشْبُوهٍ، وَيُسْتَثْنى عَمْدًا وَعَنْ سَابِقِ إِصْرَارٍ وَتَصْمِيمٍ رَئِيسَ السُّلْطَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ، الرَّئِيسَ نَبِيه بَرِّي، فَإِنَّنَا :
لَسْنَا أَمَامَ "خَطَأٍ بُرُوتُوكُولِيٍّ" أَوْ هَفْوَةِ تَنْسِيقٍ.
هَذِهِ رِسَالَةٌ سِيَاسِيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ بِالْحِقْدِ وَالْغَطْرَسَةِ: "أَنَا أَحْكُمُ وَحْدِي،أَفْرِضُ أَجِنْدَتِي فَوْقَ التَّوَافُقِ، وَفَوْقَ الْمِيثَاقِيَّةِ، وَفَوْقَ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ".
هُوَ انْقِلَابٌ صَرِيحٌ عَلَى الشَّرَاكَةِ الْوَطَنِيَّةِ، وَمُحَاوَلَةٌ بَائِسَةٌ لِعَزْلِ الْمُكَوِّنِ الْأَسَاسِيِّ الَّذِي يَحْمِي عُرُوبَةَ هَذَا الْبَلَدِ وَسِيَادَتَهُ.
—تَفْكِيكُ عَنَاصِرِ الْمُؤَامَرَةِ:
مِنَ الشَّيْطَنَةِ إِلَى التَّطْبِيعِ
الْأَجِنْدَةُ الْيَوْمَ وَاضِحَةٌ كَالشَّمْسِ، وَالْخُطُوَاتُ تُنَفَّذُ بِالتَّوَالِي:
أَوَّلًا: بَدَأَتِ الْجَرِيمَةُ بِالْمُطَالَبَةِ بِنَزْعِ سِلَاحِ الْمُقَاوَمَةِ، السِّلَاحِ الْوَحِيدِ الَّذِي حَرَّرَ الْأَرْضَ، وَحَمَى الْعِرْضَ، وَرَدَعَ الْعَدُوَّ وَصَانَ كَرَامَةَ اللُّبْنَانِيِّينَ.
ثَانِيًا: انْتَقَلَتِ الْمُؤَامَرَةُ إِلَى الْهَرْوَلَةِ نَحْوَ مُفَاوَضَاتٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ كِيَانٍ غَاصِبٍ، يَقْصِفُ الْجَنُوبَ وَالْبِقَاعَ وَالضَّاحِيَةَ،
ويقصف وَيستهدف ويًدمّر مراكز سَيَّارَاتِ الْإِسْعَافِ ويقتل المسعفين ليمنع مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْجَرْحَى لِيَتْرُكَهُمْ يَنْزِفُونَ حَتَّى الِاسْتِشْهَادِ.
ثَالِثًا: رَافَقَ ذَلِكَ تَضْيِيقٌ إِعْلَامِيٌّ مُمَنْهَجٌ، وَشَيْطَنَةٌ لِكُلِّ صَوْتٍ حُرٍّ يُدَافِعُ عَنْ خِيَارِ الْمُوَاجَهَةِ، حَتَّى صَارَ الدِّفَاعُ عَنِ الْوَطَنِ "جَرِيمَةً وَعَمَالَةً"، وَصَارَ الِاسْتِسْلَامُ وَالتَّطْبِيعُ "وَاقِعِيَّةً سِيَاسِيَّةً".
— الْعَفْوُ عَنْ "لَحْدٍ": بَصْقَةٌ عَلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ
وَالْيَوْمَ، تَصِلُ هَذِهِ السُّلْطَةُ إِلَى قَعْرِ السُّقُوطِ الْأَخْلَاقِيِّ وَالْوَطَنِيِّ. طَرْحُ "الْعَفْوِ الْعَامِّ" الْمَطْبُوخِ فِي لَيْلٍ، يُرَادُ لَهُ أَنْ يَشْمَلَ بَقَايَا "جَيْشِ أَنْطَوَان لَحْدٍ". جَلَّادِي سِجْنِ الْخِيَامِ، الَّذِينَ ذَاقَ أَهْلُنَا عَلَى أَيْدِيهِمْ أَشَدَّ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ وَالتَّنْكِيلِ. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَرَبُوا ذَلِيلِينَ مَعَ مُشَغِّلِهِمُ الصَّهْيُونِيِّ فِي أَيَّارَ عامِ أَلْفَيْنِ (2000)، وَيَتَفَاخَرُونَ الْيَوْمَ بِالْهُوِيَّةِ وَالْجِنْسِيَّةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ.
هَذِهِ لَيْسَتْ "صَفْحَةً إِنْسَانِيَّةً" أَوْ "مُصَالَحَةً وَطَنِيَّةً" كَمَا يُحَاوِلُ إِعْلَامُهُمُ الْمَأْجُورُ تَرْوِيجَهَا. هَذِهِ مُكَافَأَةٌ عَلَنِيَّةٌ لِلْخِيَانَةِ، وَشَرْعَنَةٌ لِلْعَمَالَةِ، وَبَصْقَةٌ وَقِحَةٌ عَلَى قُبُورِ كُلِّ شَهِيدٍ سَقَطَ بِرَصَاصِ "لَحْدٍ" أَوْ قَضَى تَحْتَ سِيَاطِ سَجَّانِيهِ.
إِنَّ رَئِيسَ الْجُمْهُورِيَّةِ الَّذِي يُطَالِبُ بِنَزْعِ سِلَاحِ مَنْ قَاتَلَ "لَحْدًا"، وَيُفَاوِضُ مَنْ شَغَّلَ "لَحْدًا"، وَيُكَمِّمُ أَفْوَاهَ مَنْ فَضَحَ "لَحْدًا"، ثُمَّ يَطْرَحُ الْعَفْوَ عَنْ "لَحْدٍ" نَفْسِهِ، لَمْ يَعُدْ فِي مَوْقِعِ الشُّبْهَةِ السِّيَاسِيَّةِ.. لَقَدْ تَجَاوَزَ الشُّبْهَةَ إِلَى الْيَقِينِ، وَصَارَ يَتَصَرَّفُ كَما يتصرٌف من يقدٌم أوراق اعتماد مسبقاً لراعي الإرهاب العالمي الحليف الأصِيلٍ للِكِيَانِ الصَّهْيُونِيِّ، يُنَفِّذُ بِالسِّيَاسَةِ وَالدُّسْتُورِ مَا عَجَزَتْ إِسْرَائِيلُ عَنِ انْتِزَاعِهِ بِالنَّارِ وَالْعُدْوَانِ.
—سَهْمٌ أَمْرِيكِيٌّ بِأَيَادٍ مَحَلِّيَّةٍ:
هَذِهِ السُّلْطَةُ لَا تَتَحَرَّكُ مِنْ رَأْسِهَا؛ بَلْ تُنَفِّذُ أَجِنْدَةً تُدَارُ بِالرِّيمُوتِ كُونْتُرُولِ مِنْ وَاشِنْطُنَ. عُقُوبَاتٌ أَمْرِيكِيَّةٌ مُسَلَّطَةٌ عَلَى الرِّقَابِ لِتَرْهِيبِ الشُّرَفَاءِ، صَمْتٌ مُطْبَقٌ وَمُبَارَكٌ لِلْمَجَازِرِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَضُغُوطٌ مَكْشُوفَةٌ عَلَى الْوَفْدِ الْعَسْكَرِيِّ اللُّبْنَانِيِّ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْعَاصِمَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ. وَالْهَدَفُ النِّهَائِيُّ: تَرْكِيعُ لُبْنَانَ، تَجْرِيدُهُ مِنْ أَيِّ قُوَّةِ رَدْعٍ، وَتَحْوِيلُهُ إِلَى حَدِيقَةٍ خَلْفِيَّةٍ مُسْتَبَاحَةٍ لِلْكِيَانِ الْغَاصِبِ.
الرِّسَالَةُ الْأَخِيرَةُ: الْخَطُّ الْأَحْمَرُ بِالدَّمِ
وَاهِمُونَ إِنْ ظَنُّوا أَنَّ ذَاكِرَةَ الْجَنُوبِ وَالْبِقَاعِ وَالضَّاحِيَةِ تُمْحَى أَوْ تُبَاعُ فِي سُوقِ النِّخَاسَةِ السِّيَاسِيِّ. لَنْ نَنْسَى الْخِيَامَ، وَلَنْ نَنْسَى دِمَاءَ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَنْ يَسْتَقْبِلَ أَهْلُ الْأَرْضِ الْجَلَّادِينَ بِالْوُرُودِ.
الْعَفْوُ عَنْ الْخَوَنَةِ خِيَانَةٌ عُظْمَى.
لتَّفَاوُضُ مَعَ الْقَتَلَةِ سُقُوطٌ أَخْلَاقِيٌّ.
ألتَّنَازُلُ عَنِ السِّلَاحِ انْتِحَارٌ وَطَنِيٌّ.
إِذَا كَانَ الْعَفْوُ بَوَّابَتَهُمْ لِإِعَادَةِ الْعُمَلَاءِ، فَسَنُغْلِقُ هَذِهِ الْبَوَّابَةَ بِأَجْسَادِنَا وَقَبَضَاتِنَا. وَإِذَا كَانَ تَجَاوُزُ الرَّئِيسِ بَرِّي رِسَالَةَ اسْتِقْوَاءٍ، فَرِسَالَةُ الْأَرْضِ الْمُقَاوِمَةِ أَسْمَعُ وَأَوْضَحُ: "لَنْ يَمُرُّوا".
لَا عَفْوَ عَنِ الْخَوَنَةِ، لَا تَفَاوُضَ مَعَ الْقَتَلَةِ، لَا تَنَازُلَ عَنِ السِّلَاحِ. هَذَا هُوَ الْخَطُّ الْأَحْمَرُ الَّذِي رُسِمَ بِالدَّمِ، وَمَنْ تَجَرَّأَ عَلَى تَجَاوُزِهِ... سَقَطَ!