عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
بناءً على المعطيات الممتدة بين عامي 2020 و2026، والتحول الجذري المتمثل في المذكرة الأخيرة الصادرة عن حكومة الرئيس نواف سلام؛ فإن قراءة الأبعاد الثقافية والنفسية لمعركة "كي الوعي" والذاكرة الجماعية، وتحليل مضمون مذكرة التعطيل بمناسبة عيد المقاومة والتحرير، نجد أنَّ صياغة المذكرة تمس بجوهر الصراع القائم على "إعادة التأطير" (Reframing).
حيث تحاول القوى المناهضة للمقاومة، تحويل دلالة العيد الوطني، من "محطة نصر وعزة وكسر لأسطورة الاحتلال"، إلى "مجرد ذكرى للألم والنزوح والدمار"، بهدف ربط فعل المقاومة في الذهن الجماعي، بالكلفة والمعاناة الفائقة، بدلاً من الإنجاز الاستراتيجي والتاريخي.
ففي بلد محكوم بالتوازنات الحساسة مثل لبنان، لا تأتي البيانات والمذكرات الإدارية الصادرة عن السراي الحكومي من فراغ؛ بل تعكس في كثير من الأحيان موازين القوى السياسية والخلفيات الأيديولوجية لشاغل كرسي الرئاسة الثالثة.
ولعل القراءة التحليلية المقارنة لنصوص مذكرات التعطيل والتعاميم التربوية المصاحبة لعيد المقاومة والتحرير خلال الفترة بين الأعوام 2020 و 2026، نجد أنَّ مذكرة هذا العام تكشف بوضوح مساراً ممنهجاً، يهدف إلى تفريغ هذا اليوم الوطني من رمزيته الكبرى، وإعادة تأطير إدراك البيئة الحاضنة والمجتمع اللبناني ككل.
فالمسار الإداري للمناسبة (2020 - 2024) كان للتثبيت والتعليم.
فخلال الفترة بين الأعوام 2020 و2024، وعلى اختلاف الحكومات، حافظت مذكرات التعطيل على هيكليتها التقليدية القائمة على المرجعية القانونية للمرسوم 15215 (تحديد الأعياد الرسمية). وفي محطات معينة، كانت وزارة التربية والتعليم العالي تواكب المناسبة بتعاميم خاصة (كما حصل في أعوام 2022 و2024)، تلزم المدارس والمهاهد والجامعات بتخصيص الحصة الأولى من يوم العمل التالي لـ "شرح أبعاد هذا اليوم الوطني العظيم".
وكانت الأهداف المضمرة والمعلنة لتلك التعاميم هو:
1- تخليد سيرة الإنتصار على الإحتلال الصهي.وني من خلال المقاومة:
نقل رواية النصر والتحرير التاريخي عام 2000، إلى الأجيال الناشئة التي لم تعايش مرحلة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب منذ العام 1982، حيث وصلت قوات الإحتلال إلى العاصمة بيروت.
2- الذاكرة الجمعية:
تثبيت مفهوم أن التحرير هو نتاج تضحيات كبيرة جدًا ومعادلة قوة، ومثابرة إصرار على التحرير، مهما كان الثمن، وليس هبة أو انسحاباً طوعياً للإحتلال.
وحصل التحول في عامي 2025 و 2026 مع وصول الرئيس نواف سلام إلى رئاسة الحكومة، والمعروف بمقاربته القانونية والدبلوماسية الصارمة، التي تبدي تحفظاً بنيوياً علنياً، على السلاح خارج إطار الدولة، وتعتبره عائقاً أمام سيادة القانون بالرغم من وجود الإحتلال في الجنوب اللبناني على مساحة 1000 كلم٢ حوَّلها إلى مناطق مدمرة غير قابلة للحياة فيها.
لذا اتخذت مذكرة التعطيل مساراً مغايراً تماماً في المضمون والروح.
فالنص الذي أورده الرئيس سلام في مذكرته، والذي ركز حصراً على "التضامن مع عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين"، لم يكن لفتة إنسانية بريئة بقدر ما كان "حقاً يُراد به باطل"، عند وضعه في سياقه السياسي والاستراتيجي.
فهذا النص، يخدم أجندة مركبة، تلتقي موضوعياً مع مخططات محاربة المقاومة، ومحوها من الوعي الثقافي والحضاري لبيئتها، عبر ثلاثة أهداف رئيسية:
1- إلغاء الرمزية وإسقاط "النصر":
فتم استبدال الأدبيات السياسية والتاريخية التي تحتفي بالإنتصار، بعبارات الوجدانية الإنسانية. فلم تعد المناسبة محطة لـ"العزة والشموخ"، بل تحولت في النص الرسمي، إلى مناسبة لتذكر الألم الإجتماعي الفاقع.
2- محو السيرة من المناهج والوعي الجماعي:
فقد غابت التعاميم التربوية التي تفرض شرح أبعاد المناسبة للأجيال الجديدة.
وهذا "التناسي المُتَعَمَّد"، يهدف على المدى البعيد، إلى جعل المناسبة يوماً روتينياً للراحة، والتعطيل الإداري، منزوع الدسم السياسي والجهادي.
3- كي الوعي وإعادة التأطير الإدراكي (Cognitive Reframing):
وهذا هو البعد الأخطر؛ حيث تسعى الصياغة الجديدة إلى ربط "عيد المقاومة والتحرير" في ذهن المواطن بالنزوح، والتهجير، وتدمير المنازل، وفقْد الأحبّة. إنها محاولة غير مباشرة لإدانة فعل المقاومة من خلال تسليط الضوء حصراً على الكلفة الإنسانية الباهظة، والإيحاء الضمني بأن خيار المقاومة لا يجلب سوى المآسي والنزوح للبيئة الحاضنة، مما يدفعها للانفضاض عن هذا الإرث الحضاري.
وفي المحصلة ،فإنَّ ما كتبه الرئيس نواف سلام في مذكرة التعطيل ، لا ينفصل عن الأنماط الكلاسيكية لحروب الجيل الخامس، حيث لا تُحارَب المقاومة بالنار فقط، بل باللغة، والمصطلحات، ومحاصرة "الذاكرة الجمعية" .
إنَّ محاولة تحويل "يوم النصر" إلى "يوم بكاء على النزوح والدمار"، هي محاولة بائسة لكي وعي شعب أثبت على مدى عقود أنَّ عمقه الحضاري، وثبات بيئته الحاضنة، يستندان إلى حقيقة أن الكلفة الإنسانية هي ضريبة العزة، وأن نصر عام 2000 أعمق من أن تمحوه جرةُ قلمٍ في مذكرة إدارية.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
21 أيار/مايو 2026