” حين تتحول الجغرافيا إلى شظى، والإنسانية إلى لظى؛ في جينالوجيا وسيميولوجيا العنف والرعب الصهيوني."
”وحين ترتقي عقيدة السيادة إلى سيمفونية ردع إستراتيجي، تتهاوى بروباغندا الكيان الإصطناعي المؤقت أمام ميتافيزيقيا البسالة والصمود والإنتصار الإيراني."
منذ أن زرع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة العربية بوصفه مشروعا اقتلاعيا عابرا للحدود، لم تعرف الجغرافيا استقرارا حقيقيا، بل دخلت في دوامة الحروب والكروب والهندسات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل الخرائط بالدم واللهب والحرائق. والخراب والحراب. لم يكن الأمر مجرد احتلال تقليدي. بل تأسيسا لباراديغم يقوم على ميتافيزيقيا الهيمنة، حيث تتحول القوة إلى عقيدة، والدعاية إلى سلاح سيكولوجي، والتزوير إلى منظومة بروباغندا تعيد تحوير الحقائق وفق مقاسات النفوذ. فمن المجازر إلى الحصار، ومن التهجير إلى القصف، تتكرر جينالوجيا العنف ذاتها وإن تبدلت الأزمنة والعناوين. وهكذا غدت المنطقة مسرحا مفتوحا للشظى واللظى، فيما تتوارى الإنسانية خلف دخان الحرائق وصخب الإعلام الموجه.
لقد تجاوز المشروع الصهيوني حدود الإحتلال العسكري إلى محاولة إعادة صياغة الوعي نفسه، عبر تصنيع الخوف وتفكيك البنى الاجتماعية وإشعال التناقضات داخل الجسد العربي والإقليمي. هنا لا تدار الحروب بمنطق الدفاع، بل وفق إستراتيجية راديكالية تجعل من الفوضى أداة بقاء، ومن القلق الجماعي وسيلة للهيمنة طويلة الأمد. فكل مدينة مدمرة تتحول إلى رسالة ردع، وكل حصار يسوق كإجراء أمني، بينما تتولى ماكينة البروباغندا تبيض مشاهد الخراب داخل مختبر إعلامي عابر للقارات.
وفي سيميولوجيا هذا المشهد الدموي، يصبح الطفل رقما في نشرات الأخبار، وتتحول المآسي الإنسانية إلى مادة قابلة للتأويل السياسي وفق مصالح القوى الكبرى. إنها نيكروفيليا القوة حين تعشق الإمبراطوريات رائحة الرماد أكثر من رائحة الحياة، وحين تختزل العدالة في ميزان المصالح لا في أخلاقيات الإنسان. ومع ذلك، فالتاريخ يثبت دوما أن إرادة الشعوب لا تقصف إلى الأبد، وأن الوعي الجمعي حين يستيقظ يتحول إلى قوة أشد رهبة من الجيوش والأسلحة والتحالفات.
وفي نهاية المطاف، يبقى الكيان الصهيوني_ مهما امتلك من ترسانة عسكرية ومنصات دعائية وتحالفات دولية_ عاجزا عن انتزاع الحقيقة من ذاكرة الشعوب. فالتاريخ ليس أرشيفا للقوة وحدها، بل محكمة أخلاقية كبرى تدين الطغيان مهما طال أمده. وكل شظية خلفتها الحروب ستتحول يوما إلى شهادة إدانة، وكل لظى أشعلته آلة العدوان سيوقظ أجيالا أكثر وعيا وصلابة في مواجهة مشاريع الهيمنة والاقتلاع.
إن فلسطين لم تعد مجرد قضية حدود جغرافيا، بل أصبحت سيميولوجيا كرامة إنسانية، وبوصلة وعي أخلاقي تكشف الهيمنة. وبين ضجيج البروباغندا وصمود الحقيقة لأن الدم لا يتحول إلى ماء، ولأن الحقوق مهما حاصرها الظلام_ تظل قادرة على إشعال فجر جديد فوق ركام اللظى والشظى. ”وحين يسقط زيف القوة، يبقى الحق وحده خالدا، وتبقى فلسطين ضميرا حيا يوقظ إنسانية العالم من سباتها.
وحين انتصرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإرادة الأمة، انكشفت هشاشة الكيان الغاصب، وتساقطت أسطورة الهيمنة والتوسع والعدوان أمام صمود المقاومات العربية والإسلامية.
كاتب سياسي ومحلل إخباري وإعلامي سوري سابق.