تقنية روسية مبتكرة تستخدم الياقوت والنحاس لرؤية الأورام بدقة خلال الجراحة
منوعات
تقنية روسية مبتكرة تستخدم الياقوت والنحاس لرؤية الأورام بدقة خلال الجراحة
23 أيار 2026 , 16:27 م

نجح علماء روس في تطوير موجّه موجي فائق الدقة يعتمد على أنبوب مجوف من الياقوت، مما قد يفتح الباب أمام استخدام إشعاع التيراهيرتز في المناظير الطبية الحديثة ، ويساعد الجراحين على رؤية الأورام والأنسجة المعقدة مباشرة أثناء العمليات الجراحية.

كما تمكن الباحثون من تصنيع نموذج عملي لمنظار داخلي قادر على قياس الخصائص البصرية للأنسجة والأعضاء الداخلية. ونُشرت نتائج الدراسة المدعومة بمنحة من صندوق العلوم الروسي في مجلة Scientific Reports العلمية.

ما هو إشعاع التيراهيرتز؟

يُعد إشعاع التيراهيرتز من التقنيات الواعدة في مجالات الطب والاتصالات والصناعة، إذ يقع تردده بين الموجات الميكروية والأشعة تحت الحمراء. ويتميز بقدرته على اختراق البلاستيك والورق والأنسجة، مع امتصاصه بدرجة كبيرة بواسطة الماء، إضافة إلى كونه آمنًا للكائنات الحية.

وتمنحه حساسيته العالية لمحتوى الماء داخل الأنسجة الحيوية قدرة محتملة على تشخيص الأورام الخبيثة والتغيرات المرضية بدقة أكبر. كما تسمح تردداته العالية باستخدامه مستقبلا في أنظمة الاتصالات الحديثة ذات السرعات الفائقة، بما في ذلك شبكات الجيل السادس 6G.

عقبات تقنية أمام الاستخدام الطبي

رغم الإمكانات الكبيرة لإشعاع التيراهيرتز، فإن استخدامه العملي لا يزال محدودًا بسبب ضعف كفاءة الموجّهات الموجية الحالية المستخدمة لنقل هذه الموجات.

وتعاني الموجّهات التقليدية المصنوعة من البوليمرات من مشكلتين أساسيتين؛ الأولى أن أقطارها كبيرة نسبيا، مما يجعلها غير مناسبة للاستخدام الطبي الدقيق، والثانية أنها لا تتحمل درجات الحرارة المرتفعة المطلوبة لعمليات التعقيم الطبي.

وتبرز هذه المشكلة بشكل خاص في تقنيات التنظير الداخلي، التي تعتمد على إدخال أدوات مرنة ورفيعة داخل الجسم عبر الفم أو الشقوق الصغيرة، إذ يتراوح قطر هذه الأدوات عادة بين 3 و6 مليمترات فقط.

أنبوب ياقوتي فائق الدقة

طور الباحثون من معهد فيزياء الحالة الصلبة التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، ومعهد الفيزياء العامة في موسكو، ومركز موسكو للأبحاث المتقدمة، أنبوبا مجوفا من الياقوت باستخدام طريقة “ستيبانوف” المطورة منذ خمسينيات القرن الماضي.

وتقوم التقنية على تغطية قالب من الموليبدينوم بطبقة رقيقة من الياقوت المنصهر، ثم سحب قضيب مجوف منه. وتتيح هذه الطريقة تصنيع أنابيب صغيرة القطر ذات سطح شديد النعومة وسماكة جدران دقيقة للغاية.

وتمكن العلماء من إنتاج أنبوب بقطر داخلي يبلغ نحو 6.15 مليمترات وسماكة جدار تصل إلى 0.7 مليمتر.

لماذا اختار العلماء الياقوت والنحاس؟

يتميز الياقوت بخصائص تجعله مناسبا جدا لنقل موجات التيراهيرتز، إذ إنه لا يمتص هذا الإشعاع تقريبا، كما يمتلك مقاومة عالية للمواد الكيميائية والإشعاع والسوائل والأنسجة الحيوية.

كذلك يستطيع تحمل درجات حرارة تصل إلى نحو 2000 درجة مئوية، ما يسمح بتعقيم الأدوات الطبية المصنوعة منه باستخدام الطرق التقليدية مثل أجهزة التعقيم بالبخار أو الماء المغلي.

وصمم الباحثون نسختين من الموجّه الموجي:

النسخة الأولى جرى تغليفها بطبقة بلاستيكية تساعد على تقليل فقدان الإشعاع.

النسخة الثانية غُطيت بطبقة رقيقة من النحاس، ما ساعد على إبقاء الموجات داخل الأنبوب وتقليل التداخلات الخارجية بشكل أكبر.

وأظهرت النتائج أن النسخة المطلية بالنحاس حققت فقدانا أقل للإشعاع بنحو الضعف مقارنة بالنسخة البلاستيكية، مع قدرتها على تحمل درجات حرارة تصل إلى 200 درجة مئوية، وهي مناسبة للاستخدامات الطبية.

منظار طبي لرؤية الأنسجة أثناء الجراحة

كشف الأورام أثناء العمليات الجراحية ( مصدر الصورة: مجلة Scientific Reports )

اعتمادًا على الموجّه الموجي المطلي بالنحاس، صنع الباحثون منظارا عمليا بطول 5 سنتيمترات يمكن استخدامه مستقبلًا لفحص الأنسجة التي يصعب الوصول إليها، مثل الغضاريف والأسنان والأورام، أثناء العمليات الجراحية مباشرة.

ويرى العلماء أن هذه التقنية قد تساهم في تحسين دقة العمليات الجراحية وتسريع اكتشاف الأورام والأنسجة المصابة دون الحاجة إلى إجراءات إضافية معقدة.

استخدامات مستقبلية في الصناعة والاتصالات

لا تقتصر أهمية هذه التقنية على المجال الطبي فقط، إذ يمكن استخدامها أيضًا في فحص التجاويف الضيقة داخل هياكل الطائرات ومحركات الصواريخ والمفاعلات النووية.

كما يتوقع الباحثون أن تلعب هذه الموجّهات دورًا مهمًا في شبكات الاتصالات المستقبلية 6G، من خلال نقل البيانات عالية التردد عبر أنظمة صغيرة وعالية الكفاءة.

تصريحات فريق البحث

قال الباحث الروسي غليب كاتيبا، المشرف على المشروع والباحث في معهد فيزياء الحالة الصلبة ومركز فيزياء الليزر والفوتونيات، إن الجمع بين أنابيب الياقوت والطلاءات المعدنية الرقيقة يوفر كفاءة عالية جدا في نقل إشعاع التيراهيرتز، مع خسائر منخفضة للغاية.

وأضاف أن صغر قطر الأنابيب المطورة قد يسرّع اعتماد هذه التقنية داخل الممارسات الطبية الفعلية، مؤكدًا أن الفريق يخطط مستقبلا لدراسة الخصائص البصرية للأنسجة الحيوية باستخدام هذه المناظير، إضافة إلى اختبارها على الحيوانات المخبرية.

المصدر: مجلة Scientific Reports