جورج حدادين
تعايش الفكر الاسلامي منذ النشؤ الى اليوم، استقطاباً ثنائياً بين نهجين :
نهج التجارة مقابل نهج العدالة الاجتماعية
نهج التجارة:
نهج عبد الرحمن بن عوف الذي طلب حال مجيئة من الحبشه الى المدينة " دلوني على السوق
آخى النبي بين عبد الرحمن بن عوف المهاجر وسعد بن الربيع الأنصاري،
فقال له سعد بعد المؤاخاة: يا عبد الرحمن أعطيك إحدى زوجتي إذا اخترت إحداهما، فأطلقها، ثم تنكحها بعد العدة، وأعطيك نصف مالي".
فقال له عبد الرحمن: "بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في هذا، دلوني على السوق"،
" اشتهر عبد الرحمن بن عوف بعظم ثروته حيث مارس الزراعة والبناء وكان أكثر ماله من التجارة،
كان تاجرًا مجدودًا في التجارة، وكسب مالًا كثيرًا، فأصبح في وقت قصير من أغنى أغنياء الجزيرة ،
خلَّف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا، ويروى أن ميراثه كان من ذهب يُقسَّم بالفؤوس حتى مجلت يدي الرجال منه، وترك أربع نسوة، أخرجت كل امرأة من إرثها بثمانين ألفًا".
مقابل نهج العدالة الاجتماعية:
نهج أبو ذر الغفاري، الذي كان يدعو الى العدالة الاجتماعية،
كان أبو ذر زاهدًا عالمًا، قال عنه الذهبي في ترجمته في كتابه «سير أعلام النبلاء»
«وَكَانَ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ، وَالصِّدْقِ، وَالعِلْمِ، وَالعَمَلِ، قَوَّالًا بِالحَقِّ، لاَ تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، عَلَى حِدَّةٍ فِيْهِ».
كان أبو ذر الغفاري رجلًا آدمًا ضخمًا جسيمًا، كث اللحية، طويلًا، أبيض الشعر واللحية،
وكان أبو ذر آية في الزهد وحب الفقراء، عطاؤه من بيت المال أربعة آلاف، فكان إذا أخذ عطاءه، يدعو خادمه، فيسأله شراء ما يكفيهم للسنة، ثم يستبدل بباقي المال نقودًا يفرقها على الفقراء، ويقول: «إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضة يوكى عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه».
وكان أبو ذر الغفاري في الجاهلية يتكسب من قطع الطريق، وعُرف عنه شجاعته في ذلك، فكان يُغير بمفرده في وضح النهار على ظهر فرسه، فيجتاز الحي، ويأخذ ما يأخذ
عرف أبو ذر رضي الله عنه بالزهد في الدنيا غير متعلق بها لا يأخذ منها إلا كما يأخذ المسافر من الزاد، شديد التواضع، يدافع عن الفقراء، ويطلب من الأغنياء أن يعطوهم حقهم من الزكاة، لذلك سمي محامي الفقراء،
قال عنه الرسول : «ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذر شبيه عيسى ابن مريم»،
رجلا صالحا زاهدا ، وكان من مذهبه أن الزهد واجب ، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلا عن حاجته فهو كنز يكوى به في النار ،
وهناك قول : " إن عثمان نفى أبا ذر إلى الربذة وضربه ضربا وجيعا
مع ان النبي قال في حقه : ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر
وقال : إن الله أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم . فقيل له من هم يا رسول الله قال : علي سيدهم ، وسلمان ، والمقداد ، وأبو ذر [ ص: 273 ] ولما توفي عبد الرحمن بن عوف وخلف مالا ، جعل أبو ذر ذلك [من الكنز الذي يعاقب عليه ، وعثمان يناظره في ذلك ، حتى دخل كعب ووافق عثمان ، فضربه أبو ذر ، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب .
وقد وافق أبا ذر على هذا طائفة من النساك ، كما يذكر عن عبد الواحد بن زيد ونحوه . ومن الناس من يجعل الشبلي من أرباب هذا القول . وأما الخلفاء الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول .
وكان عمر بن الخطاب يقوم رعيته تقويما تاما ، فلا يعتدي لا الأغنياء ولا الفقراء .
فلما كان في خلافة عثمان توسع الأغنياء في الدنيا ، حتى زاد كثير منهم على قدر المباح في المقدار والنوع ،
هاجم اصحاب نهج التجاره والثراء اصحاب نهج العدالة تحت حجة:
" قد ثبت في الصحيح أنه قال : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وأهل الشورى مؤمنون أقوياء ، وأبو ذر وأمثاله مؤمنون ضعفاء .
فالمؤمنون الصالحون لخلافة النبوة ، كعثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، أفضل من أبي ذر وأمثاله
يوصف هذا الحديث المذكور بهذا اللفظ ضعيف ، بل موضوع ، وليس له إسناد يقوم به .
كان أبو ذر لما حضرته الوفاة، في الربذة منطقة مقطوعة، قد أوصى امرأته وغلامه، فقال:
إذا مت فاغسلاني وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولا: هذا أبو ذر». فلما مات فعلا به ذلك، فإذا بركب من أهل الكوفة فيهم عبدالله بن مسعود،
فسأل: ما هذا؟ قيل جنازة أبي ذر، فبكى ابن مسعود، وتذكر قول النبي محمد:
يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.
صراع هذين النهجين ما زال ماثلاً في إيران بين الشيعة الصفوية ( الرأسمالية الاسلامية ) والشيعة الحراكية ( شيعة العدالة الاجتماعية )