يحذر خبراء الصحة من أن مشاعر الحزن والتقلبات العاطفية التي تصيب العديد من النساء بعد الولادة قد تكون في بعض الحالات مؤشرا على اكتئاب ما بعد الولادة ، وهو اضطراب نفسي قد يؤثر بشكل كبير على صحة الأم وعلاقتها بطفلها إذا لم يُشخَّص ويُعالج مبكرا.
وتشير بيانات حديثة إلى أن معدلات الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، ما دفع المختصين إلى التأكيد على أهمية التوعية بأعراضه والتمييز بينه وبين ما يُعرف بـ"كآبة ما بعد الولادة" أو "البيبي بلوز".
ارتفاع معدلات الإصابة

وفقا لدراسة نُشرت عام 2024 في مجلة JAMA Network Open، ارتفعت معدلات اكتئاب ما بعد الولادة في الولايات المتحدة من 9.4% عام 2010 إلى 19% عام 2021.
ويرجع جزء من هذا الارتفاع إلى تحسن آليات الفحص والتشخيص وزيادة الوعي بالحالة بين الأطباء والمرضى.
ما الفرق بين كآبة ما بعد الولادة والاكتئاب؟
تُعد كآبة ما بعد الولادة حالة شائعة تصيب نحو 80% من الأمهات الجدد، وتظهر عادة خلال الأيام الأولى بعد الولادة نتيجة التغيرات الهرمونية السريعة التي تحدث في الجسم.
وتشمل أعراضها:
البكاء المتكرر.
الحساسية العاطفية الزائدة.
تقلبات المزاج.
الشعور بالحزن المؤقت.
لكن هذه الأعراض غالبا ما تكون خفيفة ومؤقتة، ولا تمنع الأم من العناية بنفسها أو بطفلها.
أما اكتئاب ما بعد الولادة فهو اضطراب أكثر خطورة واستمرارا، وقد يؤثر بشكل مباشر في قدرة الأم على ممارسة حياتها اليومية ورعاية طفلها.
أعراض تستدعي الانتباه
يشير الأطباء إلى أن استمرار الحزن لأكثر من أسبوعين بعد الولادة قد يكون أحد المؤشرات المهمة على وجود اكتئاب ما بعد الولادة.
ومن أبرز الأعراض الأخرى:
الشعور العميق باليأس أو الإحباط.
القلق المفرط والتوتر المستمر.
فقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية.
الإحساس بالذنب أو انعدام القيمة.
انخفاض الطاقة والإرهاق الشديد.
صعوبة التركيز.
فقدان الشهية.
اضطرابات النوم.
ضعف الارتباط العاطفي بالطفل.
وفي بعض الحالات قد تراود الأم أفكار تتعلق بإيذاء نفسها، وهو ما يتطلب تدخلاً طبيا عاجلا.
مخاطر تجاهل الحالة
يؤكد المختصون أن عدم علاج اكتئاب ما بعد الولادة قد يؤدي إلى مشكلات في الترابط العاطفي بين الأم وطفلها، كما قد يؤثر في قدرة الأم على تقديم الرعاية اللازمة للمولود.
كما ترتبط الحالة بزيادة خطر الإصابة بمضاعفات نفسية خطيرة، بما في ذلك التفكير بالانتحار لدى بعض الحالات الشديدة.
ولهذا السبب يشدد الأطباء على ضرورة عدم تجاهل الأعراض أو اعتبارها جزءا طبيعيا من تجربة الأمومة.
أسباب متعددة
لا يوجد سبب واحد محدد لاكتئاب ما بعد الولادة، إذ يعتقد الباحثون أن مجموعة من العوامل قد تلعب دورا في ظهوره، منها:
الاستعداد الوراثي.
التغيرات الهرمونية والجسدية.
الضغوط النفسية والعاطفية.
قلة النوم والإجهاد المستمر.
نقص الدعم الاجتماعي أو الأسري.
ويشير الخبراء إلى أن الإصابة بكآبة ما بعد الولادة لا تعني بالضرورة أن المرأة ستصاب لاحقا باكتئاب ما بعد الولادة، رغم إمكانية حدوث الحالتين لدى الشخص نفسه.
كيف يتم التشخيص؟
يعتمد الأطباء على أدوات تقييم واستبيانات متخصصة تساعد في الكشف المبكر عن الحالة.
وتتضمن هذه الأدوات أسئلة حول مشاعر الحزن والقلق والتوتر والأفكار السلبية ومدى تأثيرها على الحياة اليومية.
ويساعد التشخيص المبكر في بدء العلاج قبل تفاقم الأعراض.
خيارات العلاج المتاحة
يؤكد الخبراء أن اكتئاب ما بعد الولادة من الحالات القابلة للعلاج بشكل فعال في معظم الحالات.
وتشمل الخيارات العلاجية:
العلاج النفسي
يُعد العلاج السلوكي أو جلسات الدعم النفسي من أكثر الوسائل استخدامًا، حيث تساعد الأم على فهم مشاعرها والتعامل معها بصورة صحية.
الأدوية
قد يوصي الأطباء باستخدام مضادات الاكتئاب في بعض الحالات، وفقا لتقييم الحالة الصحية لكل مريضة.
كما وافقت الجهات التنظيمية الصحية مؤخرًا على أدوية مخصصة لعلاج اكتئاب ما بعد الولادة لدى بعض المرضى.
الدعم الأسري
يلعب أفراد الأسرة والأصدقاء دورا مهما في عملية التعافي من خلال تقديم الدعم العاطفي والمساعدة.