اكتشاف جيني يكشف العلاقة بين الشباب السريع وقصر العمر وزيادة خطر السرطان
دراسات و أبحاث
اكتشاف جيني يكشف العلاقة بين الشباب السريع وقصر العمر وزيادة خطر السرطان
3 حزيران 2026 , 19:16 م

توصل فريق دولي من الباحثين إلى اكتشاف جيني جديد قد يساعد في تفسير أحد أكثر الأسئلة إثارة في علم الأحياء: لماذا لا تعيش الكائنات الحية لفترات أطول رغم امتلاكها آليات لإصلاح الأضرار الخلوية؟

وأظهرت الدراسة أن جيناً يُعرف باسم vgll3 يمنح الكائنات الحية مزايا مهمة في بداية حياتها، مثل النمو السريع والنضج الجنسي المبكر، لكنه في المقابل يرتبط بتسارع الشيخوخة وارتفاع خطر الإصابة بالسرطان في المراحل المتقدمة من العمر.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications.

دليل عملي على نظرية تطورية قديمة

تقدم الدراسة دليلاً تجريبياً نادراً على نظرية معروفة في علم الأحياء التطوري تُسمى "التعدد التأثيري المتضاد" (Antagonistic Pleiotropy).

وتفترض هذه النظرية أن بعض الجينات قد تمنح فوائد مهمة في مراحل الشباب والتكاثر، لكنها تتسبب لاحقاً في أضرار صحية وأمراض مرتبطة بالتقدم في العمر.

ورغم قبول هذه الفكرة نظرياً منذ عقود، واجه العلماء صعوبة في تحديد جينات بعينها تثبت هذه العلاقة بشكل مباشر لدى الفقاريات.

استخدام سمكة قصيرة العمر لدراسة الشيخوخة

اعتمد الباحثون على السمكة التركوازية الإفريقية (African Turquoise Killifish)، وهي نوع يتميز بقصر دورة حياته ويُستخدم بشكل متزايد في أبحاث الشيخوخة والأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.

وركز العلماء على جين vgll3 المعروف سابقاً بارتباطه بموعد البلوغ والنضج الجنسي لدى البشر وبعض الأنواع الأخرى، خصوصاً سمك السلمون الأطلسي.

وباستخدام تقنية التعديل الجيني كريسبر (CRISPR)، تمكن الفريق من تغيير نشاط الجين ومراقبة تأثيراته على النمو والشيخوخة.

نمو أسرع ونضج مبكر

أظهرت النتائج أن الأسماك التي خضع فيها الجين للتعديل:

نمت بمعدلات أسرع.

وصلت إلى مرحلة النضج الجنسي في وقت أبكر.

اكتسبت مزايا تنافسية قد تساعدها على التكاثر بشكل أفضل في البيئات الطبيعية.

ويُعتقد أن هذه الصفات تمنح الكائن فرصة أكبر لنقل جيناته إلى الأجيال اللاحقة، وهو ما يفسر سبب استمرار هذه الجينات عبر التطور.

ثمن باهظ في المراحل المتأخرة من الحياة

في المقابل، كشفت الدراسة أن هذه الفوائد المبكرة جاءت مصحوبة بعواقب طويلة الأمد.

فقد أظهرت الأسماك المعدلة:

انخفاضاً في متوسط العمر.

ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالأورام المرتبطة بالشيخوخة.

زيادة في ظهور سرطانات شبيهة بسرطان الميلانوما.

وقال البروفيسور إيتامار هاريل، أحد قادة الدراسة، إن النتائج تمثل مثالاً مباشراً على كيفية قيام التطور البيولوجي بالموازنة بين النجاح الإنجابي والصحة طويلة الأمد.

وأضاف أن الطبيعة لا تعطي الأولوية لطول العمر بقدر ما تركز على ضمان استمرار التكاثر وبقاء الأنواع.

كيف يؤثر الجين في الجسم؟

أظهرت التحليلات البيولوجية أن جين vgll3 يتحكم في عدة عمليات حيوية مهمة، من بينها:

انقسام الخلايا.

نشاط الخلايا الجذعية.

إصلاح الحمض النووي (DNA).

تنظيم النمو والتطور الخلوي.

ويرى الباحثون أن زيادة النشاط الخلوي الناتجة عن هذا الجين قد تفسر النمو السريع في مراحل الشباب، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تراكم الأضرار الخلوية التي تساهم في ظهور الأمراض والسرطان لاحقاً.

تطوير نموذج جديد لدراسة الأورام

ضمن الدراسة، نجح الفريق أيضاً في تطوير نموذج جديد من هذه الأسماك يتميز بضعف الجهاز المناعي، ما سمح للباحثين بزرع خلايا سرطانية ودراسة نمو الأورام بطريقة أكثر دقة من السابق.

ويوفر هذا النموذج أداة جديدة لفهم العلاقة بين الشيخوخة والسرطان وآليات تطورهما.

هل تنطبق النتائج على البشر؟

يشير الباحثون إلى أن جين vgll3 موجود أيضاً لدى البشر، وهو ما يمنح النتائج أهمية خاصة.

فقد ربطت دراسات سابقة هذا الجين بموعد البلوغ ومستويات بعض الهرمونات لدى الإنسان، إلا أن البيانات الوظيفية المباشرة حول تأثيره البيولوجي كانت محدودة حتى الآن.

ورغم أن الدراسة أُجريت على الأسماك، فإنها قد تساعد العلماء على فهم آليات النمو والشيخوخة والأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر لدى البشر.

آفاق مستقبلية لعلاج الشيخوخة والسرطان

يرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في محاولة فصل الفوائد المبكرة للجين عن آثاره السلبية المتأخرة.

وفي حال نجاح ذلك، فقد يصبح من الممكن مستقبلاً تطوير استراتيجيات علاجية تساعد على:

تعزيز النمو الصحي والتجدد الخلوي.

تقليل مخاطر الشيخوخة المبكرة.

الحد من احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان.

إطالة سنوات الحياة الصحية.

ويؤكد الفريق أن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً للعلاقة المعقدة بين التطور البيولوجي والشيخوخة، ويقرب العلماء خطوة إضافية من كشف الأسرار الجينية التي تتحكم في العمر والصحة على المدى الطويل.

المصدر: مجلة Nature Communications