الإمام الخميني: رحيل الجسد وبقاء المشهد
مقالات
الإمام الخميني: رحيل الجسد وبقاء المشهد
عبدالله علي هاشم الذارحي
3 حزيران 2026 , 22:29 م

✍️عبدالله علي هاشم الذارحي

في الثالث من يونيو/حزيران 1989م رحل الإمام الخميني (رضوان الله عليه) إلى جوار ربه، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الثالث من يونيو 2026م تكون قد مضت سبعة وثلاثون عاماً على رحيل القائد الذي غيّر وجه المنطقة وأعاد للأمة روحها الثورية والإيمانية.

لكن المتأمل في مسيرة الثورة الإسلامية يدرك أن الإمام الخميني لم يكن مجرد قائد سياسي تنتهي تجربته بوفاته،

لكنه كان ومايزال صاحب مشروع حضاري متكامل تجاوز حدود الزمن والجغرافيا.

فبعد رحيله لم تتراجع الثورة، ولم تتصدع أركان الدولة التي أسسها، بل دخلت مرحلة جديدة من النضج والتوسع، حيث حملت الأجيال المتعاقبة راية الثورة ومسؤولية الحفاظ على مبادئها وأهدافها.

وكأن الإمام الخميني ما زال حاضراً في وجدان شعبه وأحرار الأمة؛ فمواقفه وتوجيهاته وأفكاره لا تزال ترسم معالم الطريق، ورؤيته للأحداث والمتغيرات ما زالت حاضرة في واقع يشهد كل يوم صدق تشخيصه ودقة استشرافه للمستقبل.

لقد شهد التاريخ الكثير من الثورات التي خمدت برحيل قادتها، إلا أن الثورة الإسلامية في إيران شكلت استثناءً فريداً، إذ ازدادت قوة وحضوراً بعد رحيل مؤسسها، واستمرت في بناء مؤسسات الدولة وتطوير قدراتها العلمية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، حتى أصبحت الجمهورية الإسلامية قوة إقليمية مؤثرة يحسب لها الخصوم ألف حساب.

واليوم تقف إيران إلى جانب قضايا الأمة العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتدعم حركات المقاومة في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار، انطلاقاً من المبادئ التي أرساها الإمام الخميني وجعلها جزءاً من هوية الثورة ورسالتها.

لقد رحل الإمام جسداً، لكنه بقي حياً في ضمير الملايين من الأحرار.

وبقيت سيرته ومواقفه وشجاعته وحكمته وإيمانه العميق بالله مصدر إلهام للأجيال، كما بقيت أفكاره محل دراسة حتى لدى خصومه الذين حاولوا فهم سر هذا المشروع الذي استطاع الصمود والتطور رغم الحروب والعقوبات والمؤامرات.

إن الفارق بين الأحرار وأعدائهم في التعامل مع تجربة الإمام الخميني يكمن في أن الأحرار ينظرون إليها بعين الإيمان والالتزام، بينما ينظر إليها خصومها بعين الحقد والخوف، فيسعون إلى تشويهها أو محاربتها دون أن يدركوا جوهرها الحقيقي القائم على الاستقلال والكرامة والاعتماد على الله.

لقد زرع الإمام الخميني في نفوس المؤمنين مبدأ رفض الخضوع للهيمنة والاستكبار، وربط نهضة الأمة بالعودة الصادقة إلى الإسلام الأصيل، والتمسك بولاية الله ورسوله وآل بيت نبيه عليهم السلام، باعتبارها الضمانة الحقيقية للعزة والكرامة والتمكين.

ومن هنا فإن ذكرى رحيل الإمام الخميني ليست مناسبة للحزن على غياب قائد فحسب، إنما مناسبة لاستحضار مشروعه الكبير الذي ما زالت آثاره حاضرة في معادلات المنطقة والعالم، ومناسبة للتأكيد على أن الشعوب التي تتمسك بمبادئها وقيمها قادرة على صناعة مستقبلها مهما بلغت التحديات.

الخلاصة أن رحيل الإمام الخميني لم يكن نهاية الثورة الإسلامية، بل كان بداية مرحلة جديدة من ترسيخ مشروعها واستمرار رسالتها.

وبعد سبعة وثلاثين عاماً ما زالت الثورة ثابتة على مبادئها، محافظة على هويتها، متمسكة بقضايا الأمة، لتؤكد أن المشاريع العظيمة لا تموت برحيل أصحابها، وأن العاقبة للمتقين.