جلسوا حول الطاولة
كأنهم يوزّعون المطر على اليابسة، ويكتبون لِلْحَمائِمِ جوازاتِ سَفَر.
قالوا: وقفُ إطلاق نار؛
فأقلعتِ الطائرات.
قالوا: سيادة؛ فأطلّتِ الجرَّافاتُ تليها الدباباتُ من نافذة الجنوب، تسأل عن عنوان البيت التالي.
قالوا: لا نوايا عدائية؛
وكانتِ القُرى تَعُدُّ شهداءَها، كما يعدُّ الفلاحُ حبّاتِ القمح ِقَبلَ الحصاد.
أيُّ اتفاقٍ هو هذا الذي يبدأُ بحذفِ أصحاب الأرضِ مِنَ الأرْض؟
وأيُّ سلامٍ هو هذا الذي يحتاجُ إلى طائراتٍ أكثرَ مِمَّا يحتاجُ إلى كَلِمات؟!
كتبوا:
«إخلاءُ جميعِ عناصر حزبِ اللّٰهِ، منَ الجنوبِ».
وكأنَّ الجنوبَ مخزنٌ لِقِطعَِ غِيار، لا أمهاتٌ تَخْبِزْنَ الخُبزَ على رائحةِ الزعتر، ولا رجالٌ يُعَلِّقُونَ أسماءَهم على شجرِ الزيتونِ،
كي لا تُضِلَّهُمُ الذَّاكِرة.
ثم اخترعوا لنا«مناطقَ تجريبية».
يا لِلْكَرَم!
حَوَّلُوا الوطنَ إلى مُخْتَبَر،
والناسَ فيه إلى فِئرانٍ دُسْتُورِيَّة، والسِّيادةَ إلى حَقْل ِ تَجارِبَ
تُراقِبُهُ الأقمارُ الصِّناعِيَّة.
كلُّ شيءٍ واضحٌ في البيان
إلا لبنان.
وكلُّ شيءٍ محدّدٌ فيه
إلا حدودُ الاحتلال.
وكلُّ شيءٍ ممنوع
إلا الغارة.
أما إسرائيل،
فبدت في النصّ
كطالبٍ دخل الامتحان ومعه الإجابات،
بينما طُلب من الآخرين
أن يثبتوا حسنَ نواياهم تحت القصف.
قالوا:
إن مستقبل لبنان لا يجب أن يرتهنه أحد.
ثم وضعوا المستقبل نفسه
في جيب المندوب الأجنبي،
وأغلقوا عليه بسحّابٍ أميركي.
أما الجنوبي…
فما زال يقف عند باب بيته المهدّم،
يحمل مفتاحه بيد،
وشهادة حسن السلوك باليد الأخرى،
وينتظر إذناً بالدخول إلى ذكرياته.
ليس أخطرُ ما في الاتفاق أنه يشبه حذاءً واسعا ، بل أنه يترك أثرَ حذائه على رقبة وطن
بل أنه ضيّقٌ جداً
على وطنٍ كامل،
ومتّسعٌ جداً
لغارةٍ واحدة
محمد قاسم قديح
٥ حزيران. ٢٠٢٦ه