.كتب: موسى عباس
لم يصل لبنان، في أيٍّ من مراحله الأمنية والسياسية، إلى هذا الارتخاء والسَّبْسَلة التي نراها اليوم، من أسفل الرأس إلى أخمص الرئاستين. لم يعد المشهد السياسي بحاجة إلى تحليل معمق، فالمسار التفاوضي الأخير في واشنطن ليس سوى إعلان رسمي عن سقوط الكرامة الوطنية تحت مظلة صفقات تشرعن الاحتلال وتنتقص من السيادة، وتفتح الباب أمام اتفاقاتٍ أخزى في مستقبل لا يرى فيه أصحاب القرار سوى كيفية إرضاء أسيادهم.
رد على اتهام "التدخل الإيراني"... والواقع وصاية أميركية.
خرج رئيس الجمهورية في مقابلته مع CNN بحديث عن "التدخل الإيراني"، في محاولة لصرف الأنظار عن حقيقة ساطعة كالشمس: لبنان اليوم كيانٌ صوريٌّ يدار بقرارات خارجية.
من يزعم الحرص على السيادة، عليه أن يواجه الوقائع التي تجعل لبنان محميةً بحكم الأمر الواقع:
"هندسة السلطة": السفارة الأميركية أنتجت رئاسة الحكومة بتدخل علني، وتتدخل في تحديد مسار "الدول الخمس" لفرض المسار السياسي.
"السيطرة الأمنية والاقتصادية": وجود السفارة الذي يوازي مساحة مدينة، ومراقبتها للمرفأ والمطار، وتدخلها في حركة الأجهزة الأمنية، ومنع مشاريع البنى التحتية والكهرباء من الصين والعراق، وتجميد حقول النفط، والتلويح الدائم بسيف العقوبات ضد كل من يعارض إملاءات واشنطن.
هذا الواقع لا يعني إنكار أي نفوذ آخر، بل يعني أن النقاش الرسمي يتجاهل وصاية قائمة ويفتعل معارك جانبية لتبرير العجز.
"بيان واشنطن: شق تنفيذي للصهاينة.. وشق إنشائي للسلطة":
إن البيان الناتج عن مفاوضات واشنطن هو تلخيص لواقع التبعية؛ فقد قُسّم إلى شقين:
"الجانب الأميركي-الصهيوني": شق إجرائي وتنفيذي، يشترط نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية في كل لبنان، مع صمت مطبق عن أي التزام للكيان الصهيوني بوقف الاعتداءات أو بالانسحاب من النقاط المحتلة. غاب عن النص أي ذكر لعودة الأهالي، للأسرى، وللانتهاكات اليومية.
الجانب اللبناني:شق إعلاني وإنشائي لا قيمة له، يغرق في عبارات "احترام السيادة" و"القرارات الدولية"، بينما تُنتهك السيادة علناً فوق رؤوسهم.
الأخطر أن البيان تضمّن ما سُمّي "مناطق تجريبية" خاضعة للتقييم الأميركي-الصهيوني، ما يعني إخضاع جزء من القرار الأمني اللبناني لرقابة خارجية. إن هذه السلطة تدرك أن ما تُدوّنه من "غضب" هو بلا أثر عملي؛ فهي تطلب تصريح مرورٍ على أرضنا من جيشٍ يمثل كياناً محتلاً، وتطمئن الأميركي أن مسار التفاوض لن يتوقف مهما كانت الكلفة.
دماء الشهداء.. صرخةٌ في وجه الخذلان:
اغتال الكيان الصهيوني الشهيد العميد وسام صبرة، والنقيب إيلي الخوري، والجندي حسين غزال، في كفرتبنيت. كانوا يتحركون بثقةٍ زُرِعتْ ألغامَها عندما قالت السلطة لهم إن "ليس بيننا وبين الكيان الصهيوني حالة عداء".
أيها المسؤولون! لقد سقط هؤلاء شهداءً من أجل "شرف، تضحية، ووفاء". فهل من يجرؤ منكم على الثأر لدمائهم، أم سيكون مصيرهم كمصير شهداء الجيش في عرسال، بمصافحة من قتلهم؟ بينما كانت دماء الشهداء تسيل، كان أصحاب الفخامة والدولة يستقبلون ويودعون وكأنَّ الانشغالات البروتوكولية أولى من معالجةِ دماءٍ اغتالها الكيان الصهيوني تحت الشمس.
إن رئيس الجمهورية الذي يتنصل من مسؤولياته ويحاول التملص من ثقل التضحيات، لم يعد يمثل اللبنانيين؛ بل صار رمزاً لانقسامهم. وبما أنك -حضرة الرئيس- تزعم أن المقاومة لا تمثل كل الشعب، فاعلم أنك اليوم لا تمثل سوى جماعة الارتهان، وهذا ما يعيبك كرئيس للبلاد.
"الفرصة الأخيرة.. ضاعت"
يا ابن الجنوب وسيّد الكرسي، إن "الفرصة الأخيرة" التي تتحدث عنها قد خسرتها أنت فخامتك! لقد اخترت أن تكون مع الكيان الصهيوني وتقول "لا عداء معه"بينما كان الشعب يقدم الشهداء ويحمي الأرض.
إننا مع المقاومة لأنها السبيل الوحيد لاستعادة الأرض دون قيد أو شرط، مهما غلت التضحيات. أما محاولاتكم لبيع السيادة تحت غلاف "التفاوض"، فلن تُنتج إلا فتنة داخلية ستحرق أخضركم ويابسكم. تذكروا جيداً: الشيطان الأكبر الذي تستظلون بظله، سيبرأ منكم كما تبرأ من أمثالكم في التاريخ.
يا أصحاب الكراسي.. نحن ولاد الأرض، نموت فيها ولا نبيعها، ولن نفرط بشجرةٍ منها.. والتاريخ لا يرحم.