جيش الاحتلال بين أزمة النقص البشري وشبح المرتزقة: هل بدأت أزمة الوجود؟
مقالات
جيش الاحتلال بين أزمة النقص البشري وشبح المرتزقة: هل بدأت أزمة الوجود؟
عدنان علامه
12 حزيران 2026 , 11:48 ص

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

إنَّ إزدياد عدد قتلى ضباط جنود الإحتلال في لبنان منذ معاودة المقاومة عملياتها في 02 آذار/ مارس 2026 كشفت المستور.

وتكشف المعطيات الصادرة عن وسائل الإعلام العبرية خلال عام 2026 أن الأزمة التي يواجهها جيش الاحتلال لم تعد مجرد أزمة تكتيكية مرتبطة بحرب غزة أو الجبهة اللبنانية، بل تحولت إلى أزمة بنيوية، تمس جوهر العقيدة العسكرية التي قامت عليها إسرائيل منذ تأسيسها؛ أي عقيدة "جيش الشعب".

فحين تعترف التقارير العسكرية بوجود نقص يتراوح بين 12 و15 ألف جندي، بينهم آلاف المقاتلين في الخطوط الأمامية، فإن الأمر لم يعد يتعلق بعجز يمكن تعويضه بالتكنولوجيا أو بالتفوق الجوي، بل بأزمة وجودية تضرب العنصر البشري نفسه.

والأخطر من ذلك أن هذا النقص لا يقتصر على الجنود، بل يمتد إلى الضباط والقادة الميدانيين، حيث تتحدث الصحافة الإسرائيلية عن عجز يقارب 300 ضابط في الوحدات البرية، ما دفع الجيش إلى تكليف أفراد لم يستكملوا دوراتهم القيادية بتولي مهام حساسة.

وهذه مؤشرات تعكس حالة استنزاف غير مسبوقة أصابت المؤسسة العسكرية بعد سنوات من الحروب المتواصلة.

وتزداد خطورة الأزمة مع اتساع ظاهرة التهرب من التجنيد، داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا في أوساط الحريديم، حيث تتحدث الأرقام عن عشرات الآلاف ممن يرفضون الالتحاق بالخدمة العسكرية.

وهذا الواقع يكشف، أن المشروع الصهيوني يواجه معضلة داخلية عميقة، تتمثل في تراجع الاستعداد للتضحية، وتحمل أعباء الحروب الطويلة.

ومن هنا ظهرت لأول مرة أفكار كانت تُعد من المحرمات في الفكر الصهيوني، أبرزها إقتراح إنشاء "فيلق أجنبي" يضم آلاف المقاتلين الأجانب برواتب مرتفعة لتعويض النقص البشري.

غير أن مجرد طرح هذه الفكرة يشكل إعترافًا ضمنيًا بفشل نموذج "جيش الشعب".

فالجندي العقائدي الذي يقاتل إنطلاقًا من قناعة أيديولوجية يختلف جذريًا عن المرتزق الذي يقاتل مقابل راتب، لأن ولاء الأخير مرتبط بالمصلحة المالية، لا بالعقيدة أو الهوية.

وتاريخ الحروب يؤكد أن الجيوش التي تعتمد بصورة متزايدة على المرتزقة تواجه دائمًا مشكلات تتعلق بالانضباط والولاء والقدرة على الصمود في المعارك الطويلة.

فالمرتزق قد يقاتل بشراسة عندما تكون الكلفة مقبولة، لكنه ليس مستعدًا بالضرورة لتحمل الخسائر نفسها التي يتحملها جندي يعتبر نفسه جزءًا من مشروع وطني أو عقائدي.

وفي المقابل، يبدو أن القيادة الإسرائيلية تحاول تعويض هذا النقص البشري عبر زيادة الاعتماد على القوة النارية الكثيفة والتدمير الواسع النطاق.

ففي لبنان، حيث دمرت قوات الإحتلال أكثر من 130قرية، وزاد قوات الإحتلال مساحة العمليات على أكثر من 1300 كيلومتر مربع، ليصبح الانتشار البري المكثف مكلفًا بشريًا،

الأمر الذي دفع قادة قوات الإحتلال نحو اعتماد سياسة الأرض المحروقة، والإستهداف من الجو لتقليص الحاجة إلى قوات كبيرة على الأرض.

كما أن سلوك الإدارة الأمريكية خلال الأشهر الماضية عكس إدراكًا متزايدًا لحجم الضغط الواقع على الجيش الإسرائيلي.

فقد تدخل الرئيس ترامب أكثر من مرة لاحتواء احتمالات توسع المواجهة الإقليمية، سواء فيما يتعلق بإيران أو اليمن، وهو ما فُسّر لدى بعض المراقبين باعتباره محاولة لمنع إنخراط إسرائيل في جبهات إضافية قد تفاقم أزمة الاستنزاف البشري التي تعاني منها.

وإن أخطر ما تكشفه هذه المعطيات ليس فقط النقص العددي في الجنود، بل التآكل التدريجي للنموذج الذي قامت عليه إسرائيل لعقود.

فالدول تستطيع شراء السلاح، لكنها لا تستطيع بسهولة شراء العقيدة، أو الانتماء، أو الاستعداد للتضحية.

وعندما يبدأ الحديث عن استيراد مقاتلين أجانب لحماية الدولة، فإن ذلك يشير إلى أزمة تتجاوز المؤسسة العسكرية لتطال البنية الاجتماعية والسياسية نفسها.

وإذا استمرت حروب الإستنزاف الحالية بالوتيرة ذاتها، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معضلة تاريخية: جيش يملك أحدث الأسلحة في المنطقة، لكنه يعاني من نقص متزايد في العنصر البشري القادر على تشغيلها وخوض الحروب الطويلة باسم المشروع الذي أُنشئ من أجله.

وإنّ غدًا لناظره قريب

12 حزيران/ يونيو 2026