أثار الكائن المخاطي المعروف باسم Physarum polycephalum دهشة العلماء مجددا بعدما كشفت دراسة حديثة كيف يتمكن من اتخاذ قرارات معقدة رغم افتقاره الكامل إلى الدماغ أو الجهاز العصبي.
ويُعرف هذا الكائن بقدرته على حل المتاهات والعثور على مصادر الغذاء وتذكر المسارات التي سلكها سابقا، وهي سلوكيات ترتبط عادة بالكائنات التي تمتلك أجهزة عصبية متطورة.
ما هو الكائن المخاطي؟

تنتمي الكائنات المخاطية إلى مجموعة فريدة من أشكال الحياة لا تُصنف ضمن الحيوانات أو النباتات أو الفطريات.
وخلال معظم دورة حياتها، تعيش على هيئة بلازموديوم أو أميبا، وتتكون من خلية واحدة ضخمة تحتوي على عدد كبير من الأنوية.
ويُعد Physarum polycephalum من أشهر أنواع هذه الكائنات، ويتميز بلونه الأصفر الزاهي وشكله الذي يشبه كتلة هلامية كبيرة مملوءة بالمادة المخاطية والنوى الخلوية.
وعندما تنفد مصادر الغذاء من محيطه، يستطيع الانتقال تدريجيًا إلى مناطق جديدة بحثا عن الطعام.
تجربة لاختبار آلية اتخاذ القرار
أجرى باحثون من ألمانيا والولايات المتحدة سلسلة من التجارب لفهم الطريقة التي يتخذ بها هذا الكائن قرارات الحركة.
واستخدم العلماء مصائد ضوئية تعتمد على الضوء الأزرق بطول موجي يبلغ 470 نانومتر، وهو نوع من الضوء يتجنبه الكائن المخاطي بطبيعته، مما جعله بمثابة حاجز يمنعه من الحركة بحرية.
ووُضع الكائن داخل مناطق مظللة مصنوعة من هلام الأجار بأشكال هندسية مختلفة شملت:
المثلث.
المربع.
السداسي.
البحث عن طريق الهروب
عندما تعرض الكائن للجوع، بدأ بمحاولة الخروج من المصيدة.
وأطلق العديد من الامتدادات الصغيرة في اتجاهات مختلفة لاستكشاف محيطه.
وعلى الرغم من أن معظم هذه الامتدادات كانت تتراجع لاحقًا، فإن بعضها نجح في اكتشاف طريق للهروب من المنطقة المحاصرة.
وأظهرت النتائج أن الكائن لم يكن يختار أقصر طريق للخروج كما قد يُتوقع، بل كان يفضل غالبا الاتجاه القريب من أطول محور في الشكل الهندسي المحيط به.
السر في حركة السوائل داخل الجسم
فسر الباحثون هذا السلوك بطريقة مختلفة عن مفهوم "اتخاذ القرار" التقليدي.
فالكائن المخاطي يتحرك عبر انقباضات دورية تشبه الحركات التمعجية، وهي انقباضات تولد تدفقات مستمرة من السوائل داخل جسمه.
وكلما كان المسار أطول، ازدادت قدرة هذه الانقباضات على توليد ضغط داخلي أكبر، مما يساعد الكائن على دفع كتلته نحو الخارج بكفاءة أعلى.
وبالتالي، فإن الاتجاه الذي يسلكه لا ينتج عن عملية تفكير أو اختيار واعٍ، وإنما عن قوانين فيزيائية وميكانيكية تتحكم في توزيع الضغط وتدفق السوائل داخل جسمه.
الشكل الهندسي يحدد السلوك
أظهرت الدراسة أن شكل البيئة المحيطة يلعب دورا مباشرا في توجيه حركة الكائن.
فالهندسة الداخلية للمصيدة تؤثر على كيفية توزيع الضغوط وتدفقات السوائل، وهو ما يجعل بعض المسارات أكثر ملاءمة للحركة من غيرها.
وبهذا المعنى، فإن البيئة نفسها تساعد الكائن على "اتخاذ القرار" من خلال التأثير على آليات الحركة الداخلية.
فهم جديد للذكاء البيولوجي
تقدم هذه النتائج رؤية أعمق لكيفية تكيف الكائنات الحية التي لا تمتلك خلايا عصبية مع التغيرات البيئية المحيطة بها.
كما تشير إلى أن بعض السلوكيات التي تبدو ذكية قد تنشأ من عمليات فيزيائية بسيطة دون الحاجة إلى وجود دماغ أو جهاز عصبي.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآليات قد يساهم مستقبلًا في تطوير أنظمة روبوتية ومواد ذكية مستوحاة من الطبيعة، قادرة على التكيف مع بيئتها اعتمادًا على خصائصها الفيزيائية الداخلية.
لماذا يعد الاكتشاف مهما؟
يُظهر هذا البحث أن القدرة على التكيف وحل المشكلات ليست حكرا على الكائنات التي تمتلك أدمغة متطورة، بل يمكن أن تظهر أيضًا لدى كائنات بسيطة للغاية من خلال تفاعلات ميكانيكية داخلية.
ويفتح ذلك الباب أمام إعادة النظر في مفهوم الذكاء البيولوجي وفهم الطرق المختلفة التي تستخدمها الكائنات الحية للتفاعل مع العالم من حولها.