التنفس البطيء يعيد تشكيل نشاط الدماغ
دراسات و أبحاث
التنفس البطيء يعيد تشكيل نشاط الدماغ
29 حزيران 2026 , 15:34 م

توصل باحثون من المعهد الألماني للتغذية البشرية بوتسدام-ريهبروكه (DIfE) وشاريتيه – جامعة الطب في برلين إلى أول دليل علمي يثبت أن التحكم الواعي في نمط التنفس يمكن أن يؤثر في طريقة اتخاذ القرارات، من خلال تعديل نشاط كل من القلب والدماغ.

وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة Neuron، أن إطالة مرحلة الزفير تزيد من تباين معدل ضربات القلب، وتعزز استجابة الدماغ للمكافآت، ما يجعل الأشخاص أكثر ميلا إلى اتخاذ قرارات أكثر جرأة عند تقييم المخاطر.

كيف يؤثر التنفس في اتخاذ القرار؟

العلاقة بين التنفس والدماغ ( مصدر الصورة: Freepik )

عادةً ما يرتبط التنفس السريع وارتفاع معدل ضربات القلب باتخاذ قرارات سريعة يغلب عليها الحذر، إذ يميل الأشخاص في هذه الحالة إلى تجنب الخسائر، سواء أثناء اتخاذ قرارات مالية، أو في بيئة العمل، أو حتى عند اختيار الطعام.

في المقابل، تشير النتائج إلى أن التنفس البطيء والحالة الهادئة للجهاز القلبي الوعائي يجعلان الشخص أكثر ميلا إلى التركيز على المكاسب المحتملة، ويزيدان استعداده لتحمل قدر محسوب من المخاطرة.

وأوضح الباحثون أن اتخاذ القرار لا يعتمد على المعلومات الخارجية وحدها، بل يتأثر أيضا بالإشارات القادمة من أعضاء الجسم، والتي تؤثر بدورها في نشاط الدماغ.

أول دراسة تربط بين التنفس والقلب والدماغ

قالت البروفيسورة سو يونغ كيو بارك، رئيسة قسم علوم الأعصاب الخاصة باتخاذ القرار والتغذية في المعهد الألماني للتغذية البشرية، إن الأحكام التي يصدرها الإنسان تنشأ من التفاعل بين العمليات الإدراكية والحالة الجسدية الراهنة.

وأضافت أن الدراسة هدفت إلى معرفة ما إذا كان بالإمكان إحداث تغير فسيولوجي من خلال نمط تنفس بطيء ومدروس، بما يؤدي إلى تغيير جودة القرارات التي يتخذها الإنسان.

كيف أُجريت الدراسة؟

شارك في الدراسة 41 متطوعا يتمتعون بصحة جيدة، حيث طُلب منهم أداء مجموعة من مهام اتخاذ القرار التي تنطوي على مخاطر، في ظل نمطين مختلفين من التنفس:

التنفس الطبيعي.

التنفس البطيء مع إطالة الزفير بنسبة 2:8 بين الشهيق والزفير.

وخلال التجارب، راقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، إلى جانب قياس التنفس، ووظائف القلب، والتوصيل الكهربائي للجلد، واتساع حدقة العين، للحصول على صورة متكاملة للتغيرات الفسيولوجية.

الزفير الطويل يزيد الجرأة دون زيادة تجاهل المخاطر

أظهرت النتائج أن إطالة الزفير أدت إلى إبطاء معدل ضربات القلب، كما زادت من احتمال اختيار المشاركين للخيارات الأكثر مخاطرة.

لكن اللافت أن هذا التغير لم يكن ناتجا عن تجاهل الخسائر المحتملة، بل عن زيادة الحساسية للمكافآت، بينما بقيت حساسية المشاركين تجاه الخسائر دون تغير يُذكر.

مناطق في الدماغ أصبحت أكثر نشاطا

رصد الباحثون زيادة في النشاط داخل منطقتين مهمتين في الدماغ هما:

القشرة الجبهية الأمامية البطنية الإنسية (Ventromedial Prefrontal Cortex)، المسؤولة عن تقييم القيمة والمكافآت واتخاذ القرار.

منطقة البريكينيوس (Precuneus)، التي تلعب دورا في معالجة المعلومات الذاتية والانتباه والوعي.

ويرتبط نشاط هاتين المنطقتين أيضا بتنظيم تباين معدل ضربات القلب، وهو مؤشر يعكس الاختلاف الطبيعي في الزمن الفاصل بين نبضات القلب، ويُعد علامة على كفاءة الجهاز العصبي اللاإرادي.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة وينهاو هوانغ إن التفاعل بين التنفس ووظائف القلب يجعل الدماغ أكثر استعدادا للاستجابة للمكافآت، وهو ما ينعكس على طريقة اتخاذ القرارات.

دعم علمي للعلاقة بين الجسم والدماغ

تدعم نتائج الدراسة النماذج العلمية الحديثة التي تؤكد أن الحالة الجسدية تؤثر بشكل مباشر في الوظائف الإدراكية، وأن الدماغ لا يعمل بمعزل عن بقية أعضاء الجسم.

وأوضحت البروفيسورة بارك أن تقنيات التنفس صاحبت الإنسان عبر آلاف السنين في مختلف الثقافات والأديان، إلا أن هذه الدراسة تقدم دليلا علميا على أنها وسيلة موثوقة يمكن استخدامها للتأثير في عملية اتخاذ القرار.

تطبيقات محتملة في الصحة النفسية

يرى الباحثون أن تمارين التنفس تتميز بأنها بسيطة، منخفضة التكلفة، وسهلة التعلم، ما يجعلها أداة عملية يمكن استخدامها يوميا للمساعدة في تنظيم الاستجابات النفسية والجسدية.

كما قد تمثل هذه التمارين وسيلة علاجية غير دوائية لدعم المصابين باضطرابات مثل القلق والاكتئاب، اللذين يرتبطان غالبا باضطرابات في تنظيم الجهاز العصبي وآليات معالجة المكافآت.

أبحاث مستقبلية تشمل السمنة والسلوك الغذائي

يخطط الباحثون لتوسيع نطاق الدراسات لتشمل فئات مختلفة من المرضى، بما في ذلك الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.

وأشار فريق البحث إلى أن القرارات المتعلقة بالطعام تتأثر بدرجة كبيرة بتقييم المكافآت والحالة الجسدية، لذلك قد يسهم التحكم الواعي في التنفس في تحسين الوعي بالسلوك الغذائي والمساعدة على إدارة عادات الأكل بصورة أكثر فاعلية.

المصدر: مجلة Neuron