كيف يتعلّم العقل عدم الثقة؟
مقالات
كيف يتعلّم العقل عدم الثقة؟
عباس المعلم
16 آب 2026 , 19:25 م

لا يولد انعدام الثقة دائمًا من الشك، بل قد ينشأ من تعلّم عصبي–نفسي متراكم يعيد تعريف معنى الأمان. فعندما تتكرر الخيبة، أو تتناقض الأقوال مع الأفعال، أو يأتي الضرر من مصادر كان يُفترض أن تكون موضع اطمئنان، يبدأ الدماغ بتعديل خرائطه التنبؤية: لم يعد السؤال «هل سيحدث الأذى؟»، بل «متى سيحدث؟». وهنا تتحول التجربة من حادثة محفوظة في الذاكرة إلى قاعدة ضمنية يستعملها العقل في قراءة القادم؛ فيتعلم ألا ينتظر البرهان على الخطر، بل أن يستبق ظهوره.

ومع تراكم هذه الخبرات ترتفع حساسية منظومة رصد التهديد، فيصبح الفرد أكثر انتباهًا للتناقضات الدقيقة: تغير النبرة، تأخر الإجابة، اختلاف التفاصيل، الغموض، وحتى الإشارات التي قد تكون محايدة. لا يعني ذلك أنه أصبح أقدر دائمًا على كشف الحقيقة؛ فقد تكون يقظته دقيقة أحيانًا ومفرطة أحيانًا أخرى. فالدماغ الذي تعلّم أن المفاجأة مؤذية يفضّل الإنذار الكاذب على الطمأنينة الخاطئة، لأن كلفة الشك بالنسبة إليه أصبحت أقل من كلفة أن يُخدع مرة أخرى.

والأشد عمقًا أن فقدان الثقة قد ينتقل من الآخرين إلى بنية الإدراك ذاتها. فلا يعود الإنسان يشك في شخص بعينه، بل في سهولة الأشياء، وفي النيات الحسنة، وفي الطمأنينة حين تأتي بلا ثمن. وقد يصل إلى ما يشبه التحيّز التأويلي الدفاعي؛ إذ يبحث خلف الظاهر عن معنى مستتر، ويقرأ الاستثناء باعتباره مقدمة لنمط، ويؤجل التصديق حتى بعد ظهور الأدلة. عند هذه المرحلة لا يكون الشك موقفًا فكريًا فحسب، بل استراتيجية بقاء نفسية صاغتها الخبرة لحماية صاحبها من عنصر المفاجأة.

ولهذا فإن استعادة الثقة لا تحدث بالمواعظ ولا بكثرة الطمأنة؛ لأن العقل الذي تعلّم الحذر بالتجربة يحتاج إلى خبرات تصحيحية متكررة كي يعيد تحديث توقعاته. الثقة لا تعود عندما يسمع الإنسان أن الخطر انتهى، بل عندما يختبر مرارًا أن ما قيل يطابق ما حدث، وأن الأمان لا يخفي وراءه انقلابًا مفاجئًا. فبعض الناس لا يفقدون القدرة على الثقة لأن قلوبهم أصبحت أكثر قسوة؛ بل لأن عقولهم أصبحت أكثر ذاكرةً. وحين يتعلم العقل أن الأمان قد يكون قناعًا، يصبح أصعب ما يمكن إقناعه به… أن الأمان قد يكون حقيقيًا أيضًا.

عباس المعلم - إعلامي لبناني