تعرف على كيفية تأثير مسار الاكتئاب في بنية الدماغ
دراسات و أبحاث
تعرف على كيفية تأثير مسار الاكتئاب في بنية الدماغ
21 أيلول 2026 , 13:13 م

يمكن للاكتئاب أن يؤثر في الدماغ، لكن ليس بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص.

‏وتشير دراسة استمرت 10 سنوات إلى أن العامل المهم قد لا يكون مجرد إصابة الشخص بالاكتئاب، وإنما الطريقة التي يتطور بها المرض مع مرور الوقت.

‏وتحمل النتائج جانبا مشجعا، إذ أظهر الأشخاص الذين اتخذ الاكتئاب لديهم مسارا أكثر استقرارا بنية دماغية مستقرة نسبيا.

‏وتتحدى هذه النتائج الفكرة القائلة إن الاكتئاب يؤدي حتما إلى أضرار دائمة في الدماغ.

‏الاكتئاب لا يؤثر في أدمغة الجميع بالطريقة نفسها  ‏( مصدر الصورة: Getty Images )

‏وتشير الدراسة إلى أن الدماغ قد يسلك مسارات مختلفة اعتمادا على مدة استمرار الاكتئاب، وعدد مرات عودته، ومدى تأثيره في حياة الشخص.

‏متابعة 206 أشخاص لمدة تصل إلى عقد

‏تابع باحثون في ألمانيا 206 أشخاص لمدة وصلت إلى 10 سنوات.

‏وكان من بينهم 57 شخصا مصابين باضطراب الاكتئاب الشديد، وهو المصطلح الطبي للاكتئاب السريري الذي يكون شديدا بما يكفي للتأثير بشكل كبير في الحياة اليومية، إلى جانب 149 شخصا من الأصحاء كمجموعة ضابطة.

‏وخضع كل مشارك لما بين 3 و6 فحوصات بالرنين المغناطيسي، بفاصل زمني يقارب عامين بين الفحوصات.

‏وحلل الباحثون ما مجموعه 791 صورة بالرنين المغناطيسي للدماغ.

‏لماذا تعد المتابعة الطويلة مهمة؟

‏تعد هذه المدة الزمنية مهمة للغاية.

‏فمعظم دراسات تصوير الدماغ المرتبطة بالاكتئاب تشبه إلى حد كبير التقاط صورة ثابتة، إذ تقارن بين أشخاص مصابين بالاكتئاب وآخرين غير مصابين به في لحظة زمنية واحدة.

‏لكن صورة واحدة لا تستطيع تحديد ما إذا كان الاختلاف في الدماغ موجودا منذ البداية، أو ظهر خلال نوبة اكتئاب صعبة، أو تطور تدريجيا على مدى سنوات.

‏أما الدراسة الجديدة فكانت أشبه بـفيلم متواصل.

‏فقد راقب الباحثون كيفية تغير أدمغة المشاركين مع مرور الوقت، وفي الوقت نفسه سجلوا مسار مرض الاكتئاب لديهم.

‏ثلاث مناطق رئيسية في الدماغ

‏ركز الباحثون على ثلاث مناطق دماغية ترتبط غالبا بالاكتئاب:

‏- الحصين: يساعد في تكوين الذكريات ومعالجة المشاعر.

‏- القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية: تؤدي دورا في التخطيط واتخاذ القرارات والانتباه والتحكم في المشاعر.

‏- القشرة الجزيرية: تساعد الدماغ على تفسير المشاعر والإشارات القادمة من داخل الجسم.

‏ولقياس التأثير التراكمي للاكتئاب على مدى سنوات، جمع الباحثون أربع معلومات: مدة معاناة الشخص من المرض، وعدد نوبات الاكتئاب التي مر بها، ومقدار الوقت الذي قضاه في حالة اكتئاب، وعدد مرات دخوله إلى المستشفى.

‏عبء الاكتئاب الأكبر ارتبط بتغير أسرع

‏أظهر الأشخاص الذين تحملوا عبئا أكبر من الاكتئاب على مدى سنوات ميلا إلى حدوث انخفاض أسرع في كمية المادة الرمادية في الحصين والقشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية.

‏وتحتوي المادة الرمادية على العديد من خلايا الدماغ والوصلات العصبية التي تشارك في معالجة المعلومات.

‏لكن التغير في حجم المادة الرمادية الذي يتم قياسه بالتصوير لا يعني تلقائيا أن خلايا الدماغ ماتت أو أن الشخص تعرض لضرر دماغي غير قابل للعكس.

‏والأهم أن مجرد وجود تشخيص بالاكتئاب لم يتنبأ بحدوث النمط نفسه من التغيرات الدماغية لدى جميع المشاركين.

‏وقد ارتبطت الأعراض الحادة بشكل ملحوظ بالتغيرات في الحصين في التحليل الرئيسي، لكن هذا النمط غير المتسق لم يتكرر في التحليلات اللاحقة.

‏وبدلا من ذلك، بدا أن المسار العام للمرض عبر الزمن كان أكثر أهمية من التشخيص بحد ذاته أو الارتفاع المؤقت في شدة الأعراض.

‏لماذا اختلفت نتائج الدراسات السابقة؟

‏قد يساعد ذلك في تفسير سبب وصول دراسات سابقة أجرت مقارنات بين مجموعات في نقطة زمنية واحدة إلى نتائج غير متسقة.

‏فالاكتئاب ليس تجربة واحدة متطابقة لدى ملايين الأشخاص.

‏فبعض الأشخاص يتعافون ويستمرون في حالة جيدة، بينما يواجه آخرون نوبات متكررة أو يقضون فترات طويلة وهم يعانون من الأعراض.

‏وقد تختفي هذه المسارات المختلفة عندما يوضع جميع الأشخاص الذين يحملون التشخيص نفسه في مجموعة واحدة.

‏الدراسة لا تثبت أن الاكتئاب يسبب تغيرات الدماغ

‏لا تستطيع الدراسة إثبات أن الاكتئاب طويل الأمد أو المتكرر تسبب بشكل مباشر في التغيرات الدماغية التي رصدها الباحثون.

‏فمن الممكن أن تكون بعض الاختلافات موجودة في الدماغ مسبقا، وأن تجعل بعض المشاركين أكثر عرضة للإصابة بمسار شديد من الاكتئاب.

‏كما يمكن أن تؤثر عوامل أخرى، مثل التوتر والحالة الصحية الجسدية وظروف المعيشة والأدوية والعلاج النفسي، في كل من الاكتئاب والدماغ.

‏وقد أخذ الباحثون في الاعتبار استخدام المشاركين للأدوية بشكل عام، لكنهم لم يتمكنوا من فصل تأثيرات الأدوية الفردية أو العلاج النفسي بشكل كامل.

‏حدود الدراسة

‏كانت هناك قيود أخرى على الدراسة.

‏فمجموعة المصابين بالاكتئاب كانت صغيرة نسبيا، وكان جميع المشاركين من أصول أوروبية غربية، كما أجريت الدراسة في مركز واحد فقط.

‏وتغيرت بعض النتائج، ولا سيما تلك المتعلقة بالحصين، اعتمادا على البيانات أو الأساليب الإحصائية المستخدمة.

‏كما أظهر تحليل مستقل لإعادة التحقق من النتائج نتائج مختلطة؛ فقد أظهرت القشرة أمام الجبهية نمطا مشابها، لكنه لم يكن ذا دلالة إحصائية.

‏وكانت التغيرات التي اكتشفها الباحثون محصورة أيضا في مناطق صغيرة من الدماغ.

‏ولذلك ستكون هناك حاجة إلى دراسات أكبر تشمل مجموعات سكانية أكثر تنوعا لتأكيد هذه النتائج.

‏نتائج تفتح الباب أمام أسئلة جديدة

‏مع ذلك، فإن إجراء فحوصات متكررة للأشخاص أنفسهم يوفر رؤية مفصلة بشكل غير معتاد لكيفية ارتباط الاكتئاب بتغيرات الدماغ عبر الزمن.

‏ولا تصف النتائج دماغا يتعرض ببساطة للتلف بمجرد حصول الشخص على تشخيص بالاكتئاب.

‏بل تكشف عن عدة مسارات محتملة، بدءا من انخفاض المادة الرمادية لدى الأشخاص الذين يعانون من عبء مرضي أكبر وأطول، وصولا إلى استقرار نسبي لدى الأشخاص الذين اتخذ المرض لديهم مسارا أكثر ملاءمة.

‏ولا يعرف الباحثون حتى الآن ما إذا كان العلاج الفعال قادرا على حماية هذه المناطق الدماغية أو عكس التغيرات التي تحدث فيها.

‏لكن اكتشاف أن التدهور ليس حتميا يترك هذا السؤال المهم مفتوحا أمام الأبحاث المستقبلية.

‏وقد يؤثر الاكتئاب في الدماغ، لكن هذه الدراسة تشير إلى أن مسار التغيرات الدماغية لا يكون محددا بشكل نهائي بمجرد تشخيص المرض.

المصدر: مجلة JAMA Network Open.