‏الدماغ البشري ينظم المشاعر وفق نمط هندسي سداسي
دراسات و أبحاث
‏الدماغ البشري ينظم المشاعر وفق نمط هندسي سداسي
5 تشرين الثاني 2026 , 19:49 م

قد لا تحب الطبيعة الفراغ، لكنها تبدو مولعة بالشبكات السداسية.

‏فالشكل السداسي، الذي يتكون من ستة أضلاع، يعد وسيلة فعالة للغاية لتقسيم المساحات، ويظهر في أشكال طبيعية متعددة، من رغوة البحر إلى أقراص العسل.

‏والآن، عثر العلماء على مؤشرات إلى أن الدماغ البشري قد يستخدم الهندسة نفسها لتنظيم مشاعرنا.

‏وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، رصد فريق من علماء الأعصاب بصمة سداسية في نشاط الدماغ أثناء تقييم الأشخاص لمعلومات عاطفية. وتشير هذه النتيجة إلى احتمال وجود نظام شبيه بالشبكات يساعد الدماغ على ترتيب هذه المعلومات.

‏وكتب عالما الأعصاب يومنغ ما وفيليب إيه. كراجل، من جامعة إيموري، في دراسة نشرت في مجلة «PLOS Biology»: «تشير هذه النتائج إلى أن المعرفة المتعلقة بالمشاعر منظمة وفق نظام إحداثيات شبيه بالشبكة في الدماغ البشري».

‏كيف يساعدنا الدماغ على فهم المشاعر؟

‏غالبا ما نعد المشاعر من أكثر جوانب التجربة الإنسانية تعقيدا. فقد تكون عابرة أو طويلة الأمد، أو متناقضة أو طاغية، كما قد يصعب فهمها حتى على الشخص الذي يختبرها.

‏ومع ذلك، يبدو أن الطريقة التي نشعر بها تجاه العالم ذات أهمية حيوية. فالمشاعر تساعدنا على تقييم المخاطر، واتخاذ القرارات، والاستجابة للظروف المتغيرة، وتكوين روابط مع الآخرين.

‏وعندما تتأثر قدرتنا على اختبار المشاعر أو تنظيمها، يمكن أن تمتد آثار ذلك إلى جميع جوانب حياتنا تقريبا.

‏ولكي نتمكن من التعامل مع العالم من حولنا، نحتاج إلى التعرف على المشاعر، والتمييز بينها، وفهم الروابط التي تجمعها.

‏وعلى الرغم من أن العلماء يعرفون منذ وقت طويل أن فهمنا للمشاعر يتبع بنية منظمة على نحو مفاجئ، فإن الطريقة التي يرمز بها الدماغ إلى هذه البنية ظلت لغزا.

‏خريطة ثنائية الأبعاد للمشاعر

‏على مدى عقود، وصف الباحثون المشاعر باستخدام محورين.

‏الأول هو القيمة العاطفية (Valence)، ويشير إلى مدى إيجابية الشعور أو سلبيته، أي ما إذا كان ممتعا أو مزعجا.

‏أما الثاني فهو الاستثارة (Arousal)، ويعبر عن مدى كون الشعور مهدئا أو محفزا.

‏ويشكل المحوران معا ما يعرف باسم «الدائرة العاطفية»، وهي خريطة ثنائية الأبعاد للمفاهيم العاطفية.

‏فعلى سبيل المثال، قد يكون الشعور بالرضا والشعور بالحماس إيجابيين، لكن الأول أكثر هدوءا، بينما يكون الثاني أكثر تنشيطا.

‏وبالمثل، يتسم الغضب والابتهاج بدرجة عالية من الاستثارة، لكنهما يقعان عند طرفين متعاكسين من محور القيمة العاطفية.

‏ومع ذلك، تقدم دراسات أخرى تبحث في كيفية تنظيم الدماغ للمعلومات وتمثيلها، مثل المعلومات المكانية المتعلقة بمحيطنا، أدلة مهمة على آليات محتملة.

‏وهنا تظهر فئة من الخلايا العصبية تعرف باسم الخلايا الشبكية.

‏الخلايا الشبكية ترسم شبكة سداسية في الدماغ

‏اكتشفت الخلايا الشبكية لأول مرة لدى الجرذان عام 2005. وهي خلايا عصبية تنشط عندما يتحرك الحيوان عبر مواقع محددة في بيئته.

‏لكن التفاصيل الأكثر إثارة للاهتمام تظهر عند رسم جميع المواقع التي تنشط فيها خلية شبكية معينة على خريطة لمحيط الحيوان.

‏إذ تتشكل هذه المواقع في نمط متكرر من مثلثات متساوية الأضلاع، تنتج عنها شبكة ذات تناظر سداسي، أو تناظر من ستة اتجاهات.

‏بمعنى آخر، تنشط خلية واحدة عندما يصل الجرذ إلى مركز شكل سداسي افتراضي أو إلى أي من زواياه الست، ثم يتكرر هذا النمط في أنحاء البيئة المحيطة بالحيوان.

‏وتستجيب الخلايا الشبكية المختلفة لترتيبات مختلفة من المواقع، لتوفر مجتمعة نظام إحداثيات يساعد الدماغ على تتبع موقع الحيوان أثناء حركته.

‏لكن الترميز الشبيه بالشبكات قد لا يقتصر على التنقل في الأماكن المادية. فقد وجدت أبحاث سابقة أدلة على أن الدماغ يستخدم أنماطا مشابهة من النشاط العصبي لتنظيم المعلومات المجردة، بدءا من المفاهيم البصرية وصولا إلى القيمة النسبية لخيارات مختلفة.

‏وقد أثار ذلك احتمالا مثيرا للاهتمام: إذا كان من الممكن تنظيم المشاعر على خريطة ثنائية الأبعاد، فهل يستطيع الدماغ استخدام نظام الإحداثيات نفسه للتنقل بينها؟

‏رصد شبكة سداسية في منطقة مرتبطة بالمشاعر

‏درس ما وكراجل 18 شخصا، وعرضا عليهم محفزات محملة بالمشاعر، شملت تعابير وجه تتحول تدريجيا من شعور إلى آخر، وتسلسلات من العبارات التي تثير استجابات عاطفية.

‏وفي أثناء ذلك، التقط الباحثان صورا غير جراحية لنشاط أدمغتهم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

‏وتضمن كل محفز انتقالا عبر الدائرة العاطفية، ما أتاح للباحثين تتبع نشاط الدماغ بينما يتابع المشاركون الحركة داخل هذا «الفضاء» العاطفي ثنائي الأبعاد.

‏وهنا ظهرت النتيجة.

‏ففي منطقة من الدماغ تسمى القشرة أمام الجبهية البطنية الإنسية، رصد الباحثون البصمة المميزة لشبكة سداسية أثناء تفكير المشاركين في الحالات العاطفية.

‏ووجد الباحثون نمطا سداسيا في النشاط العصبي بهذه المنطقة، يتوافق مع ترميز المعلومات العاطفية بطريقة شبيهة بالشبكات. كما كانت استجابات الدماغ أكثر تشابها عندما اتفقت الانتقالات عبر الفضاء العاطفي مع الشبكة السداسية نفسها.

‏وتغير نشاط الدماغ وفقا لاتجاه الحركة عبر الخريطة العاطفية، متبعا نمطا متكررا ذا تناظر سداسي، على غرار ما يحدث عندما يستخدم الدماغ الترميز الشبكي للتنقل في الفضاء المادي.

‏والأكثر من ذلك أن هذا النمط ظهر سواء كان المشاركون يقيمون تعابير الوجه أو العبارات المكتوبة، ما يشير إلى أن الدماغ كان يرمز العلاقات بين المفاهيم العاطفية، وليس مجرد الاستجابة لما يراه المشاركون.

‏كما وجد الباحثون أن نشاط الدماغ يعكس المسافة بين المفاهيم العاطفية على الدائرة العاطفية، وأن هذه الإشارة ارتبطت بالطريقة التي حكم بها المشاركون على التغيرات في المعلومات العاطفية.

‏الحاجة إلى مزيد من الأبحاث

‏مع ذلك، توجد بعض القيود على الدراسة. فقد كان حجم العينة صغيرا نسبيا، إذ لم يتجاوز عدد المشاركين 18 شخصا، وهو عدد لا يمثل مجموعة كبيرة.

‏وستكون هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم كيفية عمل هذا النظام الشبيه بالشبكات، وما إذا كان يؤدي دورا مباشرا في طريقة معالجة الدماغ للمعلومات العاطفية.

‏ومع ذلك، تمثل النتائج مؤشرا مثيرا للاهتمام، إذ تشير إلى أن الدماغ قد يستخدم المبادئ نفسها لتنظيم عالمنا العاطفي التي يستخدمها للتنقل في العالم المادي.

‏وكتب الباحثان: «تشير هذه النتائج إلى أن البنية التي تظهر في التقارير الذاتية قد تعكس الطريقة التي ينظم بها الدماغ المعرفة المتعلقة بالمشاعر، باستخدام آليات مشابهة لتلك التي تشارك في التنقل المكاني والمفاهيمي».

‏ونشرت الدراسة في مجلة «PLOS Biology».

المصدر: sciencealert