كيف يتفاعل الدماغ مع الموسيقى والمذاق؟
دراسات و أبحاث
كيف يتفاعل الدماغ مع الموسيقى والمذاق؟
24 تشرين الأول 2026 , 14:37 م

لا يعتمد مذاق الطعام على ما يوجد في الطبق وحده، بل يتأثر أيضا بالطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات الواردة من الحواس المختلفة.

‏وأظهرت دراسة جديدة أن الاستماع إلى الموسيقى أثناء تناول الطعام يمكن أن يزيد نشاط بعض مناطق الدماغ المشاركة في معالجة المذاق، ما قد يغير الطريقة التي يدرك بها الإنسان النكهات.

‏وأجرى الدراسة باحثون من قسم علوم الأغذية، ونُشرت نتائجها في مجلة Scientific Reports. واستخدم الفريق تقنيات تصوير الدماغ لفهم كيفية تفاعل المناطق العصبية المسؤولة عن معالجة الأصوات وتلك المرتبطة بإدراك المذاق.

‏وتشير النتائج إلى أن التذوق ليس مجرد عملية تستقبل فيها اللسان إشارات كيميائية من الطعام، بل تجربة حسية متكاملة يساهم الدماغ في تشكيلها من خلال الجمع بين المعلومات الواردة من أعضاء الحس المختلفة.

‏كيف درس العلماء العلاقة بين الصوت والمذاق؟

‏في السابق، اعتمدت الدراسات التي بحثت العلاقة بين الموسيقى والمذاق على تجارب سلوكية، كان المشاركون خلالها يتذوقون الطعام أو المشروبات مع الاستماع إلى الموسيقى أو من دونها، ثم يقيّمون النكهة التي شعروا بها.

‏وأظهرت بعض هذه التجارب أن الموسيقى الهادئة ذات النغمات المتناغمة قد تزيد الإحساس بالحلاوة.

‏لكن الباحثين في الدراسة الجديدة انتقلوا إلى مرحلة أخرى، إذ استخدموا التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لرصد نشاط الدماغ أثناء التفاعل مع الأصوات والمذاقات.

‏وتعتمد هذه التقنية على قياس التغيرات في تدفق الدم داخل مناطق الدماغ، ما يتيح للباحثين تقدير المناطق التي يزداد نشاطها خلال أداء مهام أو معالجة مؤثرات حسية معينة.

‏وبذلك، تمكن الفريق من دراسة الأساس العصبي للتفاعل بين حاستي السمع والتذوق، بدلا من الاكتفاء بتسجيل التغيرات التي يلاحظها المشاركون في مذاق الطعام.

‏ماذا يحدث للدماغ عند الجمع بين الموسيقى والتذوق؟

‏أثناء التجربة، خضع المشاركون لفحوص الدماغ في عدة ظروف مختلفة. ففي بعض الحالات، استمعوا إلى الموسيقى فقط، وفي حالات أخرى تذوقوا محاليل ذات نكهات محددة، بينما تعرضوا في حالات ثالثة للموسيقى والمذاق في الوقت نفسه.

‏وأتاح هذا التصميم للباحثين مقارنة استجابة الدماغ للصوت والمذاق كل على حدة، ثم دراسة ما يحدث عند الجمع بينهما.

‏وأظهرت النتائج أن بعض مناطق الدماغ أصبحت أكثر نشاطا عندما استمع المشاركون إلى الموسيقى وتذوقوا أحد نوعي المحاليل المستخدمة في التجربة.

‏وتشير هذه الملاحظة إلى أن الدماغ لا يعالج المعلومات السمعية والذوقية بصورة منفصلة تماما، بل يمكن أن يحدث تفاعل بين المسارات العصبية المسؤولة عن الحاستين.

‏وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، والأستاذة المشاركة جانيس وانغ، إن هذه النتائج تشير إلى أن المذاق ليس مجرد خاصية موجودة في الطعام نفسه، بل تجربة يصنعها الدماغ من خلال معالجة المعلومات الحسية.

‏هل تستطيع الموسيقى جعل الطعام أكثر حلاوة؟

‏تشير أبحاث سابقة إلى أن نوع الموسيقى وطبيعة نغماتها قد يؤثران في الطريقة التي يدرك بها الأشخاص مذاق الطعام.

‏فقد أظهرت بعض التجارب السلوكية أن الموسيقى الهادئة ذات النغمات المتناغمة يمكن أن تعزز الإحساس بالحلاوة لدى بعض الأشخاص.

‏لكن من المهم التمييز بين التأثير في إدراك المذاق والتغيير الفعلي في تركيب الطعام. فالموسيقى لا تغير كمية السكر الموجودة في الطعام، وإنما قد تؤثر في الطريقة التي يعالج بها الدماغ الإشارات الحسية المرتبطة به.

‏كما أن نتائج الدراسة الجديدة لا تعني أن كل أنواع الموسيقى ستجعل الطعام أكثر حلاوة، أو أن التأثير سيكون متطابقا لدى جميع الأشخاص. فالإحساس بالمذاق قد يتأثر بعوامل متعددة، منها خصائص الطعام نفسه والخبرة السابقة والتفضيلات الفردية.

‏وتساعد نتائج تصوير الدماغ على تفسير كيفية حدوث هذا التفاعل، لكنها لا تثبت وحدها أن الموسيقى ستغير إدراك كل نكهة بالطريقة نفسها.

‏كيف يمكن الاستفادة من النتائج في المطاعم والمستشفيات؟

‏يرى الباحثون أن فهم العلاقة بين الموسيقى والمذاق قد يفتح المجال أمام تطبيقات عملية في المطاعم والمقاصف والمستشفيات.

‏ففي المطاعم، يمكن أن يساعد اختيار الموسيقى المناسبة على تحسين تجربة تناول الطعام، من خلال التأثير في الطريقة التي يدرك بها الزبائن النكهات والأجواء المحيطة بهم.

‏أما في المستشفيات، فقد تكون هذه النتائج ذات أهمية خاصة للأشخاص المعرضين لخطر سوء التغذية، أو الذين يجدون صعوبة في تناول كميات كافية من الطعام بسبب انخفاض الشهية أو تراجع الاستمتاع بالمذاق.

‏وأشار الباحثون إلى أن تغييرا بسيطا، مثل تشغيل الموسيقى المناسبة أثناء الوجبات، قد يساعد على جعل تجربة تناول الطعام أكثر متعة لدى بعض الأشخاص، دون الحاجة بالضرورة إلى تدخلات مكلفة.

‏ومع ذلك، لا تثبت الدراسة أن تشغيل الموسيقى يحسن التغذية أو يزيد كمية الطعام التي يتناولها المرضى بالفعل. ويتطلب تأكيد هذه الفوائد إجراء دراسات إضافية تقيس تأثير الموسيقى في الشهية وكمية الطعام المستهلكة والحالة الغذائية.

‏الدماغ يجمع المعلومات الحسية لتشكيل المذاق

‏تضيف هذه الدراسة دليلا جديدا إلى الأبحاث التي توضح أن إدراك المذاق عملية معقدة لا تعتمد على اللسان وحده.

‏فإلى جانب الإشارات التي تستقبلها براعم التذوق، يساهم الدماغ في دمج المعلومات الحسية المختلفة لتكوين التجربة النهائية للمذاق.

‏وتوضح النتائج أن الموسيقى يمكن أن ترتبط بتغيرات في نشاط بعض المناطق الدماغية أثناء التذوق، ما يعزز فهم العلماء للتفاعل بين الحواس.

‏وقد يساعد التوسع في هذا المجال على تطوير طرق جديدة لتحسين تجربة تناول الطعام، ولا سيما لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى دعم إضافي للحفاظ على تغذيتهم.

‏لكن تحديد مدى تأثير الموسيقى في إدراك النكهات المختلفة، ومعرفة ما إذا كان هذا التأثير يؤدي إلى فوائد غذائية ملموسة، لا يزال يتطلب مزيدا من البحث.

المصدر: Наука Mail