بالنسبة إلى معظم الناس، تبدو الذاكرة هشة بقدر ما هي ثمينة. وحتى بعض أهم الأحداث في حياتنا يمكن أن تتحول بسرعة إلى ذكريات ضبابية، تفقد تفاصيل أساسية وتتغير مع مرور الوقت.
لكن في حالات نادرة جدا، تكون الذكريات حية وواضحة كما لو أن الحدث وقع للتو.
ويعتقد أن أقل من 100 شخص حول العالم يمتلكون ما يعرف باسم الذاكرة الذاتية السيرية الفائقة (HSAM)، وقد وثقت دراسة جديدة تجربة أحد هؤلاء الأشخاص، وهو فتى يبلغ من العمر 16 عاما أطلق عليه العلماء اسم KCL لحماية هويته.
ويمتلك الفتى قدرة استثنائية على تذكر أحداث من حياته بتفاصيل دقيقة ومدهشة.
ذكريات تعود إلى عمر ثلاثة أشهر
في فبراير 2025، تواصل KCL مع الباحث في علم الإدراك كريستيان باريكوفسكي، الذي نشر عدة أبحاث حول ظاهرة الذكريات الذاتية السيرية اللاإرادية.
وأوضح باريكوفسكي وفريقه في تقرير الحالة أن الفتى وصف امتلاكه ذكريات ذاتية سيرية مبكرة بشكل استثنائي، من بينها ذكريات تعود إلى عمر ثلاثة أشهر تقريبا، أي إلى أبريل 2009، إضافة إلى ذكريات من طفولته المبكرة خلال عامي 2010 و2011، قال إن والديه أكدا صحتها.
كما أشار إلى أن الإحساس المستمر بالوعي بتجربته الذاتية السيرية ظهر لديه في سن الثالثة تقريبا.
ومنذ ذلك الوقت، أفاد بأن معظم ذكرياته شديدة التفاصيل ويمكنه الوصول إليها بسهولة.
روائح وأغان تستحضر ذكريات دقيقة
قال KCL إن ذكرياته غالبا ما تظهر بشكل لا إرادي نتيجة محفزات صغيرة، مثل رائحة معينة أو أغنية أو جملة محددة.
وادعى أنه يستطيع تذكر أحداث مفصلة من نحو نصف الأيام التي مرت منذ أغسطس 2022 تقريبا.
وأجرى فريق البحث سلسلة من الاختبارات المعتمدة مع KCL عن بعد، نظرا إلى أن الفتى كان يعيش بعيدا عن فريق الباحثين.
وأكدت الاختبارات أن KCL يمتلك بالفعل الذاكرة الذاتية السيرية الفائقة، وأن أداءه كان عند مستوى إحصائي يتوقع أن يتجاوز أداء أكثر من 99.9% من عامة السكان.
القدرات العقلية الأخرى طبيعية
في المقابل، بدت قدراته في الانتباه والذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية طبيعية نسبيا.
وهذا الأمر يتوافق بشكل مفاجئ مع ما يعرفه العلماء عن الأشخاص الذين يمتلكون الذاكرة الذاتية السيرية الفائقة.
كما لم تظهر أي مؤشرات أخرى على وجود شيء غير معتاد في دماغ KCL.
بحسب ما أفاد والداه، كان نموه منذ الولادة طبيعيا، ولم تكن لديه مشكلات نفسية أو تعليمية معروفة.
أصحاب الذاكرة الخارقة ليسوا أبطالا معرفيين
كتب باريكوفسكي وفريقه أن الأدلة المتراكمة تشير إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون الذاكرة الذاتية السيرية الفائقة ليسوا "أبطالا خارقين معرفيا".
وعلى العكس، يبدو أنهم يشبهون عامة السكان إلى حد كبير في مجالات مثل تعلم المعلومات اليومية أو حفظ الأرقام.
وما يميزهم هو الطريقة التي يتذكرون بها أحداث حياتهم الشخصية ويصلون إليها، أي المعلومات المتعلقة بما عاشوه وشاهدوه واختبروه.
الجانب اللاإرادي يثير اهتمام العلماء
اهتم باريكوفسكي وزملاؤه بشكل خاص بالجانب اللاإرادي من ذكريات KCL.
وهذا الجانب يشبه أول حالة رسمية للذاكرة الذاتية السيرية الفائقة نشرت عام 2006، والتي وصفت امرأة كانت تعاني ذكريات عن ماضيها بصورة "مستمرة وغير قابلة للسيطرة وتلقائية".
ومنذ ذلك الوقت، ظهرت حالات أخرى من الذاكرة الذاتية السيرية الفائقة.
لكن معظم هذه الدراسات اختبرت قدرة المشاركين على استدعاء الذكريات بشكل إرادي، بينما ركز عدد قليل من الدراسات على الذكريات الذاتية السيرية اللاإرادية لدى الأشخاص الذين يمتلكون هذه القدرة.
اختبار يكشف كثرة الذكريات اللاإرادية
اعتمد فريق باريكوفسكي على طريقة سبق أن اختبرها لدى أفراد من عامة السكان.
وخضع KCL لمهمة عبر الحاسوب كان عليه خلالها مراقبة مجموعة من الأنماط المعروضة على الشاشة.
وبشكل دوري، كان الباحثون يسألونه عن الأفكار التي مرت في ذهنه أثناء أداء المهمة.
وبالمقارنة مع البيانات المتوفرة عن الأشخاص العاديين، أظهر KCL تكرارا "مرتفعا بشكل ملحوظ" للذكريات الذاتية السيرية اللاإرادية التي ظهرت أثناء الاختبار.
لكن هذه الزيادة اقتصرت على الأفكار المتعلقة بماضيه الشخصي.
أما الأفكار التلقائية المتعلقة بالمستقبل فكانت ضمن النطاق الطبيعي، وكذلك كان المعدل الإجمالي للأفكار غير المرتبطة بالمهمة.
ليست ذاكرة أفضل بشكل عام
يرى الباحثون أن هذه النتيجة مثيرة للاهتمام بشكل خاص.
فالأدلة المتزايدة تشير إلى أن الذاكرة الذاتية السيرية الفائقة ليست بالضرورة حالة يمتلك فيها الشخص ذاكرة أفضل بشكل عام، وإنما قد تكون نتيجة تغير في آليات استرجاع الذكريات.
ووفقا للباحثين، يتميز هذا التغير بزيادة الحساسية للمحفزات وانخفاض العتبة اللازمة للوصول إلى المعلومات المتعلقة بالسيرة الذاتية للشخص.
وكتب الفريق أن تفرد هذه القدرة قد لا يكمن فقط في نوعية ما يتم تذكره، وإنما أيضا في الطريقة التي يتم من خلالها الوصول إلى الذكريات الذاتية السيرية، ما يسلط الضوء على سهولة الوصول إلى الذكريات وديناميكيات استرجاعها باعتبارها آليات رئيسية تقف وراء الذاكرة الذاتية الاستثنائية.