كتب: موسى عبّاس
حِينَ يَتَحَوَّلُ الْأَدَاءُ السِّيَاسِيُّ مِنْ إِدَارَةِ الْخِلَافِ إِلَى فَرْضِ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَمِنِ احْتِرَامِ التَّوَازُنَاتِ الْوَطَنِيَّةِ إِلَى الرِّهَانِ عَلَى الْأَجِنْدَاتِ الْخَارِجِيَّةِ، لَا نَكُونُ أَمَامَ نَوْبَةٍ سِيَاسِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ أَمَامَ "مُغَامَرَةٍ" رِئَاسِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ الْأُطُرَ الدُّسْتُورِيَّةَ الْمُعْتَادَةَ. مَا يَشْهَدُهُ الْقَصْرُ الْجُمْهُورِيُّ الْيَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَصْعِيدٍ ظَرْفِيٍّ، بَلْ خُلَاصَةُ قَنَاعَةٍ رَاسِخَةٍ لَدَى الرَّئِيسِ جُوزِيف عَوْن بِأَنَّ الْغِطَاءَ الْأَمِيرِكِيَّ، وَالتَّنْسِيقَ غَيْرَ الْمُبَاشِرِ مَعَ الْكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ، كَفِيلَانِ بِمَنْحِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى تَجَاوُزِ التَّوَافُقِ الدَّاخِلِيِّ.
—سِيَاقَاتُ التَّارِيخِ وَتَكْرَارُ الْأَوْهَامِ:
إِنَّ تَجْرِبَةَ الرَّئِيسِ عَوْن تُعِيدُ إِنْتَاجَ بُنْيَوِيَّةِ تَجْرِبَةِ الثَّمَانِينِيَّاتِ؛ حَيْثُ تَتَوَهَّمُ السُّلْطَةُ أَنَّ التَّفْوِيضَ الْخَارِجِيَّ يُعَوِّضُ غِيَابَ الشَّرْعِيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ. الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ الْيَوْمَ هُوَ أَنَّ هَذَا الْأَدَاءَ يَتَبَنَّى عَقْلِيَّةَ الْقِيَادَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، مُتَجَاهِلًا الْبُعْدَ الْمَدَنِيَّ لِلْحُكْمِ، وَمُخَاطِبًا الشُّرَكَاءَ فِي الْوَطَنِ كَمَرْؤُوسِينَ. لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّ هَذَا الرِّهَانَ – الَّذِي يَرَاهُ عَوْن مَصْدَرَ قُوَّةٍ – هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَصْدَرُ ضَعْفِهِ؛ فَالرِّهَانُ عَلَى الْخَارِجِ فِي مِلَفَّاتِ الْوُجُودِ اللُّبْنَانِيِّ هُوَ رِهَانٌ عَلَى رِمَالٍ مُتَحَرِّكَةٍ، فَالدَّعْمُ الدَّوْلِيُّ لَا يَمْنَحُ شَرْعِيَّةً، وَلَا يَمْلَأُ فَرَاغَ الثِّقَةِ، وَلَا يُحَرِّرُ أَرْضًا.
"فَضِيلَةُ" الْمُغَامَرَةِ: كَشْفُ الْمَسْتُورِ
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَسْوَةِ الْمَشْهَدِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْأَدَاءَ الصِّدَامِيَّ يَحْمِلُ "فَضِيلَةً" مُزْدَوِجَةً:
1.تَعْرِيَةُ الْأَوْهَامِ: يَكْشِفُ هَذَا الْمَسَارُ بِلَا مُوَارَبَةٍ حَقِيقَةَ الْمَشْرُوعِ الرِّئَاسِيِّ الرَّامِي لِتَصْفِيَةٍ سِيَاسِيَّةٍ لِخُصُومِهِ وَفَرْضِ وَقَائِعَ جَدِيدَةٍ.
2.إِسْقَاطُ سِيَاسَةِ "الِاحْتِوَاءِ":
لَقَدْ أَثْبَتَتِ التَّجْرِبَةُ أَنَّ رِهَانَاتِ الْقُوَى السِّيَاسِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ عَلَى امْتِصَاصِ الصَّدَمَاتِ لَمْ تَكُنْ حِكْمَةً، بَلْ كَانَتْ تَأْجِيلًا لِمَصِيرٍ مَحْتُومٍ. "الْمُغَامَرَةُ" الرِّئَاسِيَّةُ بَاتَتِ الْيَوْمَ "أَدَاةَ كَشْفٍ جَمَاعِيَّةٍ"، تَضَعُ اللُّبْنَانِيِّينَ أَمَامَ الْحَقِيقَةِ عَارِيَةً، وَتَفْرِضُ عَلَيْهِمْ رُؤْيَةَ الْأُمُورِ كَمَا هِيَ، لَا كَمَا يُرَادُ لَهُمْ أَنْ يَرَوْهَا.
—"إِفْلَاسُ "الصِّيغَةِ" وَالْحَاجَةُ إِلَى "عَقْدٍ وَطَنِيٍّ"
إِنَّ مَا يَجْرِي فِي بَعْبَدَا هُوَ إِعْلَانُ إِفْلَاسٍ لِصِيغَةِ حُكْمٍ اسْتَهْلَكَتْ نَفْسَهَا. فَفِي ظِلِّ الِانْحِيَازِ الْبُنْيَوِيِّ لِلْإِدَارَاتِ الْأَمِيرِكِيَّةِ لِمَصْلَحَةِ الْكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ، وَانْكِفَاءِ الْحِسَابَاتِ الْعَرَبِيَّةِ عَنِ الْقَضِيَّةِ، بَاتَ مِنَ الْعَبَثِ الْمُرَاهَنَةُ عَلَى خِيَارَاتٍ لَا تُؤْمِنُ بِسِيَادَةِ لُبْنَانَ.
أَمَامَ هَذَا الْوَاقِعِ، لَا خِيَارَ وَلَا بَدِيلَ عَنِ الْعَوْدَةِ إِلَى الثَّابِتَةِ الْوَطَنِيَّةِ الَّتِي أَثْبَتَتْ جَدْوَاهَا: "قُوَّةُ لُبْنَانَ تَكْمُنُ فِي وَحْدَةِ الْغَالِبِيَّةِ الْعُظْمَى مِنْ شَعْبِهِ، وَفِي تَكَامُلِ الْجَيْشِ وَالْمُقَاوَمَةِ". إِنَّ الْعَقْدَ الْوَطَنِيَّ الْجَدِيدَ الَّذِي يَحْتَاجُهُ لُبْنَانُ يَرْتَكِزُ عَلَى:
—التَّحَرُّرُ مِنَ الِارْتِهَانِ:
الْقَطْعُ النِّهَائِيُّ مَعَ الرِّهَانَاتِ عَلَى "ضَمَانَاتٍ" دَوْلِيَّةٍ أَثْبَتَتْ أَنَّهَا لَا تَحْمِي إِلَّا مَصَالِحَ الْمُعْتَدِي.
* **عَقِيدَةُ الدِّفَاعِ السِّيَادِيِّ:** الْإِقْرَارُ بِأَنَّ الْمُقَاوَمَةَ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّةٌ لِلدَّوْلَةِ الَّتِي لَا تَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى حِمَايَةِ شَعْبِهَا مِنْ عُدْوَانٍ مُسْتَمِرٍّ.
* **جَرْدَةُ الْحِسَابِ الشَّامِلَةِ:** الِانْتِقَالُ مِنْ عَقْلِيَّةِ "إِعَادَةِ إِنْتَاجِ الْفَشَلِ" إِلَى صِيَاغَةِ عَقْدٍ وَطَنِيٍّ يَقُومُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الذَّاتِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ، حَيْثُ تَكُونُ الْمُقَاوَمَةُ رَكِيزَةَ السِّيَادَةِ لَا بَنْدًا لِلْمُسَاوَمَةِ.
نِهَايَةُ هَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي نَعِيشُهَا الْيَوْمَ سَتَكُونُ بِدَايَةً لِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ. قَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَسَارُ مُؤْلِمًا، لَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّ لُبْنَانَ لَا يَنْهَارُ بِسَبَبِ "الْمُغَامَرَةِ" الرِّئَاسِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِسَبَبِ الْوَهْمِ الْقَائِلِ إِنَّ بِإِمْكَانِنَا الِاسْتِمْرَارَ عَلَى مَا كَانَ، بَيْنَمَا كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ حَوْلَنَا. وَالْيَوْمَ، لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ: كَيْفَ نَعُودُ إِلَى السَّابِقِ؟ بَلْ: كَيْفَ نَبْنِي مُسْتَقْبَلًا لَا يَرْهَنُ كَرَامَةَ اللُّبْنَانِيِّينَ لِغَيْرِ إِرَادَتِهِمْ؟