قد يشعر بعض الأشخاص بتسارع في نبضات القلب أو انقباض في المعدة أو توتر في الجسم، لكنهم يعجزون عن تحديد ما إذا كانوا يشعرون بالخوف أو الغضب أو القلق أو حتى الحماس.
هذه التجربة ليست نادرة كما قد يبدو، بل ترتبط بحالة تُعرف باسم الأليكسيثيميا (Alexithymia)، وهي حالة تؤثر في ملايين الأشخاص حول العالم وتجعل التعرف على المشاعر وفهمها أكثر صعوبة.
ما هي الأليكسيثيميا؟
مصطلح "أليكسيثيميا" مشتق من اللغة اليونانية القديمة ويعني حرفيًا "عدم وجود كلمات للمشاعر".
ورغم الاعتقاد الشائع، فإن الأليكسيثيميا لا تعني أن الشخص لا يشعر بالعواطف، بل تعني أنه يواجه صعوبة في:
التعرف على مشاعره.
فهم ما يشعر به داخليا.
وصف مشاعره للآخرين.
التمييز بين الأحاسيس الجسدية والانفعالات العاطفية.
وقد صاغ علماء العلاج النفسي هذا المصطلح خلال سبعينيات القرن الماضي لوصف مجموعة من الصعوبات المرتبطة بالإدراك العاطفي.
كيف يشعر المصابون بها؟
يصف الباحثون الأليكسيثيميا بأنها حالة تجعل الشخص يدرك وجود شيء ما يحدث داخله، لكنه لا يستطيع تفسيره عاطفيا.
فعلى سبيل المثال:
قد يُفسَّر انقباض المعدة على أنه مجرد شعور بالغثيان.
قد يُنظر إلى تسارع ضربات القلب باعتباره إجهادا جسديا فقط.
قد يشعر الشخص بالضيق دون أن يدرك أنه حزين أو قلق أو غاضب.
بمعنى آخر، تكون الإشارات العاطفية موجودة، لكن تفسيرها يصبح مهمة معقدة.
التفكير المرتكز على الوقائع
من السمات الشائعة لدى الأشخاص المصابين بالأليكسيثيميا ما يُعرف بـ"التفكير الموجَّه نحو الخارج".
فبدلا من التركيز على المشاعر والانفعالات الداخلية، يميل الشخص إلى التركيز على:
ما حدث فعليا.
ما قيل خلال الموقف.
الخطوات العملية المطلوبة.
التفاصيل الملموسة والواقعية.
وقد يجعل ذلك الحديث عن المشاعر أو تحليلها أمرا صعبا مقارنة بالأشخاص الآخرين.
تأثيرها على العلاقات الاجتماعية
تلعب المشاعر دورا أساسيا في التواصل الإنساني.
فهي تساعد الناس على:
التعبير عن احتياجاتهم.
بناء العلاقات.
فهم مشاعر الآخرين.
تعزيز التقارب العاطفي.
وعندما يجد الشخص صعوبة في التعرف على مشاعره أو التعبير عنها، قد ينعكس ذلك على علاقاته الاجتماعية.
فقد يفسر الآخرون هدوءه العاطفي أو تحفظه على أنه:
عدم اهتمام.
برود عاطفي.
انقطاع في التواصل.
في حين أنه قد يكون في الواقع شخصا يهتم كثيرا بالآخرين لكنه لا يستطيع التعبير عن ذلك بسهولة.
صعوبات في العلاقات العاطفية
تشير الأبحاث إلى ارتباط الأليكسيثيميا بعدد من المشكلات المرتبطة بالعلاقات الشخصية.
فعلى سبيل المثال:
قد يشعر الشخص بالاستياء من شريك حياته دون أن يعرف السبب الحقيقي.
قد يكن مشاعر قوية تجاه صديق أو فرد من العائلة لكنه يعجز عن التعبير عنها.
قد يجد صعوبة في بناء الحميمية العاطفية أو الحفاظ عليها.
كما قد تؤدي هذه الصعوبات إلى زيادة سوء الفهم بين الأشخاص المحيطين به.
تأثيرها على تنظيم المشاعر
لا تقتصر المشكلة على التعرف على المشاعر فقط، بل تمتد أيضا إلى القدرة على إدارتها وتنظيمها.
وقد ربطت دراسات عديدة الأليكسيثيميا بسلوكيات مثل:
الانسحاب الاجتماعي.
كبت المشاعر.
تجنب المواجهة.
صعوبة التعامل مع الضغوط النفسية.
ويمكن أن تزيد هذه السلوكيات من تعقيد العلاقات الشخصية والتواصل اليومي.
هل تؤثر في اتخاذ القرارات؟
تلعب المشاعر دورًا مهمًا في عملية اتخاذ القرار.
فعندما يواجه الإنسان موقفا غامضا أو معقدا، تساعده مشاعره على تقييم المخاطر والفرص.
لكن الأشخاص المصابين بالأليكسيثيميا قد يواجهون صعوبة في الاستفادة من هذه الإشارات الداخلية.
فإذا لم يتمكن الشخص من التمييز بين:
الخوف.
الحماس.
القلق.
الحدس.
فقد يفقد إحدى الأدوات المهمة التي يعتمد عليها كثير من الناس بشكل غير واعٍ عند اتخاذ القرارات.
هل تعد مرضا نفسيا؟
لا تُصنف الأليكسيثيميا على أنها اضطراب نفسي مستقل في أدلة التشخيص الطبية.
ومع ذلك، تظهر بمعدلات أعلى لدى المصابين بعدد من الحالات الصحية والنفسية.
ارتباطها بالتوحد وحالات أخرى
تشير الدراسات إلى أن نحو 50% من الأشخاص المصابين بـ اضطراب طيف التوحد قد يعانون أيضا من الأليكسيثيميا.
كما ارتبطت الحالة بعدد من الاضطرابات الأخرى، منها:
اضطراب ما بعد الصدمة.
اضطراب الوسواس القهري.
الفصام.
اضطرابات القلق.
الاكتئاب.
بعض الأمراض المزمنة مثل السرطان.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن جميع المصابين بهذه الحالات يعانون من الأليكسيثيميا، كما أن كثيرا من المصابين بالأليكسيثيميا لا يعانون من أي من هذه الاضطرابات.
لماذا يصعب اكتشافها؟
تكمن إحدى المشكلات في أن الأليكسيثيميا قد تبقى غير ملحوظة لفترات طويلة.
فكثير من الأشخاص يطلبون المساعدة بسبب القلق أو الاكتئاب أو مشكلات العلاقات، دون أن يدركوا أن الصعوبة الأساسية تكمن في التعرف على مشاعرهم وفهمها.
لذلك يرى الباحثون أن الأليكسيثيميا قد تكون جزءا مهما من الصورة النفسية لدى بعض المرضى.
هل يمكن تحسين الحالة؟
رغم التحديات التي تفرضها الأليكسيثيميا، فإنها ليست حالة ثابتة لا يمكن التعامل معها.
وتشير الأبحاث إلى أن عدة أساليب قد تساعد على تحسين الوعي العاطفي، منها:
تطوير الثقافة العاطفية
تعلم أسماء المشاعر المختلفة وفهم الفروق بينها يساعد الشخص على تفسير ما يشعر به بصورة أفضل.
التأمل واليقظة الذهنية
يمكن أن تساعد تمارين التأمل والانتباه إلى الإشارات الجسدية على تعزيز الوعي بالحالة العاطفية.
العلاج النفسي
توفر بعض أنواع العلاج النفسي أدوات فعالة لتعلم التعرف على المشاعر والتعبير عنها بصورة صحية.
فهم إشارات الجسد
يؤكد الخبراء أن الأحاسيس الجسدية مثل:
انقباض المعدة.
تسارع نبضات القلب.
توتر العضلات.
ضيق الصدر.
قد تكون رسائل يحملها الجسم حول الحالة العاطفية.
وبالنسبة للمصابين بالأليكسيثيميا، فإن التحدي الأساسي لا يتمثل في غياب المشاعر، بل في تعلم قراءة هذه الرسائل وفهم معناها، وهو ما يمكن تطويره تدريجيا من خلال التدريب والدعم المناسب.