الطوفان العظيم بين الأسطورة والعلم
منوعات
الطوفان العظيم بين الأسطورة والعلم
15 حزيران 2026 , 13:29 م

تُعد قصة الطوفان العظيم من أكثر الروايات حضورا في التراث الإنساني، إذ لا تقتصر على النصوص الدينية فحسب، بل تظهر أيضا في أساطير وحكايات العديد من الحضارات القديمة، من بلاد الرافدين إلى الهند والصين وجنوب شرق آسيا.وفي محاولة لفهم هذه الرواية من منظور علمي، استعرض عالم المحيطات الروسي إيغور ميدفيديف مجموعة من الفرضيات التي قد تفسر أصل هذه القصة التي ظلت حاضرة في ذاكرة الشعوب لآلاف السنين.

الطوفان في ثقافات متعددة

تظهر روايات الطوفان في عدد كبير من المصادر التاريخية القديمة، منها:الكتاب المقدس.ملحمة جلجامش السومرية.الأساطير الآشورية.الموروثات الهندية القديمة.أساطير الصين وفيتنام والفلبين.ويرى الباحثون أن انتشار هذه الروايات في مناطق متباعدة جغرافيا يشير إلى أن المجتمعات البشرية القديمة تعرضت لكوارث مائية كبرى تركت أثرا عميقا في الذاكرة الجماعية.

هل كان الطوفان عالميا؟

يشير ميدفيديف إلى أن الأدلة العلمية الحالية لا تدعم فكرة حدوث فيضان عالمي غمر سطح الأرض بالكامل في فترة واحدة.وبحسب رأيه، فإن التفسير الأكثر واقعية يتمثل في وقوع سلسلة من الكوارث الإقليمية الكبرى التي بدت لسكان المناطق المتضررة وكأنها نهاية العالم بأسره.ويقول إن الإنسان القديم كان يعتبر المنطقة التي يعيش فيها "العالم كله"، ولذلك فإن غرقها أو تدميرها بالكامل كان كافيا لولادة روايات عن طوفان شامل.

هل يمكن أن يكون التسونامي السبب؟

يُعد التسونامي أحد أبرز المرشحين لتفسير بعض قصص الطوفان القديمة.ويشير الخبير الروسي إلى أن أمواج التسونامي قادرة على رفع مستوى المياه بشكل هائل خلال فترة قصيرة، مسببة دمارا واسع النطاق في المناطق الساحلية.

أعلى موجة مسجلة في التاريخ

استشهد ميدفيديف بحادثة وقعت عام 1958 في خليج ليتويا، عندما تسبب انهيار صخري ضخم في توليد موجة بلغ ارتفاعها نحو 524 مترا، وهي أعلى موجة موثقة في التاريخ الحديث.ورغم ضخامة هذه الموجة، فإنها كانت حدثا محليا قصير الأمد، ما يجعل من الصعب ربطها بوصف الطوفان الذي استمر، وفق الروايات الدينية، لفترات طويلة.

البراكين كمصدر للكوارث المائية

تحدث موجات التسونامي أيضًا نتيجة الانفجارات البركانية الضخمة.ومن أشهر الأمثلة على ذلك ثوران بركان كراكاتوا عام 1883، الذي أدى إلى موجات تسونامي بلغ ارتفاع بعضها نحو 40 مترا وأسفرت عن مقتل أكثر من 36 ألف شخص.كما شهد العالم عام 2022 ثوران بركان هونغا تونغا-هونغا هاباي، الذي تسبب أيضا في أمواج تسونامي وصلت إلى مناطق بعيدة من المحيط الهادئ.لكن هذه الأحداث، رغم قوتها، لا تفسر استمرار المياه لفترات طويلة كما تروي بعض النصوص القديمة.

فرضية اصطدام الكويكبات

يرى بعض العلماء أن سقوط الأجرام السماوية العملاقة قد يؤدي إلى كوارث مائية هائلة.ويُعتقد أن الكويكب الذي اصطدم بالأرض قبل نحو 66 مليون سنة في منطقة خليج المكسيك تسبب في توليد أمواج عملاقة وصل ارتفاعها إلى عدة كيلومترات بالقرب من موقع الاصطدام.غير أن هذه الحادثة سبقت ظهور الإنسان بملايين السنين، ولذلك لا يمكن أن تكون مصدرا مباشرا لروايات الطوفان التي تناقلتها الحضارات البشرية.

نظرية فيضان البحر الأسود

تُعد فرضية فيضان البحر الأسود واحدة من أشهر التفسيرات العلمية لقصة الطوفان العظيم.وطُرحت هذه النظرية من قبل الباحثين ويليام رايان ووالتر بيتمان.

ماذا تقول النظرية؟

تفترض النظرية أنه قبل نحو 7500 عام كان البحر الأسود عبارة عن بحيرة ضخمة معزولة يقل منسوب مياهها عن مستوى البحر المتوسط.وبحسب الفرضية، أدى انهيار حاجز طبيعي في منطقة مضيق البوسفور إلى تدفق كميات هائلة من مياه البحر المتوسط نحو البحر الأسود.ويُقدَّر أن مستوى المياه ارتفع آنذاك بمعدل يتراوح بين 15 و30 سنتيمترا يوميا لمدة تقارب 300 يوم، ما أجبر السكان على الهجرة وترك مناطقهم الساحلية.جدل علمي مستمرورغم جاذبية هذه الفرضية، فإنها لا تحظى بإجماع علمي كامل.فقد أشارت دراسات لاحقة إلى وجود تناقضات جيولوجية تجعل هذا السيناريو محل نقاش، كما أن بعض الأدلة تشير إلى أن البحر الأسود لم يكن معزولا بالكامل خلال تلك الفترة.لذلك لا تزال هذه النظرية واحدة من عدة تفسيرات محتملة، وليست تفسيرا نهائيا لقصة الطوفان.

الذاكرة الجماعية للكوارث

يخلص ميدفيديف إلى أن الطوفان العظيم ربما لم يكن حدثا واحدا، بل نتيجة تراكم ذكريات عدد كبير من الكوارث الطبيعية التي شهدتها مناطق مختلفة عبر آلاف السنين.وقد تشمل هذه الكوارث:موجات تسونامي مدمرة.فيضانات نهرية استثنائية.انهيارات أرضية ضخمة.عواصف بحرية عاتية.انهيار حواجز طبيعية وبحيرات مغلقة.ومع مرور الزمن، اندمجت هذه الأحداث في الوعي الجماعي للشعوب لتتحول إلى قصة واحدة كبرى عن طوفان اجتاح العالم المعروف آنذاك.

ماذا يقول العلم اليوم؟

لا يوجد حتى الآن دليل علمي قاطع يؤكد وقوع طوفان عالمي غمر الأرض بأكملها في وقت واحد. لكن العلماء لا يستبعدون أن تكون الروايات القديمة قد استندت إلى كوارث حقيقية شهدتها المجتمعات البشرية في عصور ما قبل التاريخ.وبذلك يبقى الطوفان العظيم واحدا من أكثر الموضوعات التي تجمع بين التاريخ والأسطورة والجيولوجيا، في محاولة مستمرة لفهم كيف تحولت كوارث محلية ضخمة إلى واحدة من أشهر القصص في تاريخ الإنسانية.

\

المصدر: صحيفة أرغومينتي إي فاكتي