”من عقيدة التكفير ونبذ العقلنة والتفكير، إلى صناعة التدمير: كيف يحول التطرف الإنسان إلى أداة خراب وقطع أعناق ورقاب، ويجعل الأوطان مساحات نزيف وفوضى خلاقة واضطراب."
ليس التطرف الأعمى والإرهاب حدثا عابرا في سجل العنف، بل هو ظاهرة سوداء تتغذى على الانغلاق تكاثرت في بيئة رملية قاحلة معرفيا وروحيا، حيث يذبل الفهم، ويعلو صوت التأويل الأحادي، وتختزل النصوص في قوالب جامدة تنتج وعيا مغلفا لا يرى في العالم إلا ذاته.
إنه ليس فعلا منصرفا عن الفكر، بل هو امتداد لعقيدة متصلبة تحول المفاهيم الدينية من رحابة الرحمة إلى ضيق الإقصاء، ومن سعة الإختلاف إلى فوهة التكفير والزندقة. وهنا تتبدى المفارقة الكبرى التي أجمع عليها كثير من علماء الإسلام العقلانيين ومفكريه: إن هذا المسار لا يمت إلى جوهر الدين بصلة، بل يناقض بنيته الأخلاقية العميقة القائمة على السلم والعدل والرحمة.
ويكفي أن يعلو النص القرآني قولا حاسما قاطعا: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. حين تتهاوى كل محاولات اختطاف المقدس وتحويله إلى مدنس كأداة صراع.
تشير تحليلات سيسيولوجية وجيوسياسية إلى أن هذا النمط من التطرف لا ينشأ في فراغ، بل يتكون داخل تربة رملية مشبعة بالاحتقان، ويستفيد من هشاشة الوعي، ويتغذى على الانقسامات، قبل أن يستثمر لاحقا في ساحات صراع إقليمية معقدة. وهكذا يتحول من فكرة منغلقة إلى أداة قابلة للتوظيف، ومن خطاب دعوي إلى ماكينة للعنف العابر ليس فقط للحدود بل للقارات أيضا.
وفي هذا السياق، يذهب عدد من القراءات النقدية إلى أن هذه التنظيمات لم تنتج سوى هندسة معكوسة للخراب: مدن تمحى، مجتمعات تفكك، ذاكرة تنسف، وبنى حضارية تعاد إلى نقطة الصغر.
إنها لا تترك خلفها إلا الركام، ولا تتقن إلا تحويل الجغرافيا إلى رماد مفتوح.
ومن أكثر المفارقات التي يبرزها التحليل السياسي أن بوصلات هذه الجماعات كثيرا ما انحرفت عن مواجهة العدو الخارجي المتمثل في الاحتلال واغتصاب الأراضي والاستيطان، لتتجه نحو داخل البلدان الموضوعة ضمن بنك اهداف الدول الاستعمارية الداعمة لهذا الفكر الدموي المتأسلم المتطرف. تكفيرا وتخوينا واستباحة وتآمر على جيوش الأوطان وقبض الأثمان. وتطال سهامها السامة قوى وفصائل وشخصيات محسوبة على تيارات المقاومة المحقة العادلة القانونية الشرعية المناهضة للاحتلال الصهيوني والتدنيس للمقدسات الإسلامية والمسيحية في أرضنا المحتلة فلسطين.
وهنا تتكشف خطورة هذا النمط الفكري الذي يفتت الجسد الواحد بدل توجيه الطاقة نحو القضايا المركزية.
إنها حالة من ”الإنقلاب المعنوي" على أولويات الصراع، حيث تتحول المعركة من مواجهة الاحتلال إلى تفكيك الذات، ومن مقاومة الغاصبين إلى استنزاف المجتمعات، في مشهد يراه كثير من الباحثين أقرب إلى تخريب منهجي للوعي الجمعي.
وقد حسم القرآن الكريم هذا الأصل الأخلاقي حين قال: {من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا}. في إدانة مطلقة لكل أشكال الترهيب والتخريب والعنف غير المشروع، أيا كانت شعاراته أو مبرراته. إن هذا النمط من التطرف ليس مجرد انحراف فكري، بل هو” آلة تفرقة وتشتيت وتقسيم" تعيد تشكيل الإنسان على صورة الخوف، وتحول العقيدة إلى قيد بدل أن تكون نورا، وتزرع في الأرض منطقا واحدا: إما الطاعة العمياء أو الإقصاء.
لكن الحقيقة التي لا يطالها الضجيج أن هذا الفكر، مهما علا صوته، يظل غريبا عن روح الإسلام كصوت وتر نشاذ واحد ضمن أوتار أخرى تسكب أجمل الألحان وسيبقى هذا الفكر المتأسلم منبوذا من جوهره، متصادما مع رسالته الكبرى. فالإسلام الوسطي الحنيف الذي بعث رحمة للعالمين لا يمكن أن يكون غطاء لذبح الأبرياء أو تفخيخ المجتمعات أو تمزيق الداخل والالتفاف على جيوش الأوطان. خدمة لمخططات الاعداء من مستكبرين وطامعين ومستعمرين. وسيظل ميزان التاريخ واضحا: البقاء للعقل حين يعلو، وللرحمة حين تفهم، وللعمران حين يختار...أما الخراب، فمهما تزين بزيفه، وتجمل بزخرفه، يظل مؤقتا وزائلا. ولابد من اقتلاع شجرة هذا الداء الوبيل الذي يتستر بعباءة الدين من جذورها.
كاتب دمشقي حر.