سوريا في قلب الشرق الأوسط الجديد
مقالات
سوريا في قلب الشرق الأوسط الجديد
وائل المولى
19 حزيران 2026 , 13:28 م

‏لم تعد سوريا مجرد دولة تحاول تجاوز آثار الحرب الطويلة، بل أصبحت واحدة من أهم ساحات التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط. فبينما تتجه الأنظار إلى المفاوضات الأمريكية الإيرانية وإمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة تخفف من حدة الصراعات الإقليمية، تتشكل في العمق معادلات جديدة قد تجعل من الأراضي السورية محوراً مهماً في التوازنات المقبلة.

‏التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سوريا وحزب الله عكست جانباً من هذا التحول. فعندما اعتبر أن القيادة السورية الحالية قادرة على التعامل مع حزب الله بصورة أفضل من إسرائيل، لم يكن حديثه محصوراً بالملف اللبناني فحسب، بل حمل في طياته مؤشرات إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه دمشق ضمن المشهد الإقليمي الجديد الذي يتبلور تدريجياً.

‏وفي الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة معنية بإغلاق عدد من ملفات التوتر المفتوحة، وفي مقدمتها الملف الإيراني. فالتفاهم الأمريكي الإيراني المحتمل، إذا ما تحول إلى اتفاق فعلي، لن يقتصر تأثيره على الملف النووي أو أمن الخليج، بل قد ينعكس على مجمل المشهد الإقليمي. كما أن إدارة ترامب تبدو حريصة على الحد من التوترات التي تؤثر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، خصوصاً بعد الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

‏لكن أي اتفاق أمريكي إيراني لن يعني بالضرورة نهاية الصراعات، بل ربما انتقالها إلى أشكال مختلفة من التنافس السياسي والاستراتيجي. وهنا تبرز سوريا بوصفها إحدى أكثر الساحات حساسية في المرحلة المقبلة. ويرى بعض المراقبين أن تراجع احتمالات المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران قد يدفع قوى إقليمية مختلفة إلى تعزيز حضورها ونفوذها داخل الساحة السورية.

‏وتنظر إسرائيل بقلق إلى تنامي النفوذ التركي في سوريا، في حين ترى أنقرة أن الاستقرار السوري يرتبط بصورة مباشرة بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. وفي ضوء هذه المعادلات المتشابكة، تتزايد التقديرات بأن سوريا ستبقى محوراً أساسياً في حسابات القوى الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

‏وفي هذا السياق، أثارت الأحداث الأمنية وأعمال العنف التي شهدتها بعض المناطق السورية تساؤلات في الأوساط السياسية حول الجهات المستفيدة من استمرار التوترات وعدم الاستقرار. ويرى عدد من المحللين أن أي اضطراب داخلي قد يمنح أطرافاً خارجية فرصة أكبر للتأثير في المشهد السوري، في وقت تؤكد فيه القيادة السورية أولوية الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز وحدة البلاد.

‏اليوم تقف سوريا أمام مفترق طرق تاريخي. فنجاحها في ترسيخ الاستقرار وإطلاق مسار تنموي وسياسي متوازن قد يجعلها شريكاً أساسياً في صناعة مستقبل المنطقة، أما استمرار التحديات والصراعات فسيبقيها عرضة لتجاذبات المشاريع الإقليمية والدولية. وبين هذين المسارين، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة ليس فقط لمستقبل سوريا، بل لشكل الشرق الأوسط بأسره في السنوات القادمة.