ترامب و«كماشة» حزب الله… هل يقود التهديد بسوريا إلى إسقاط دمشق بدلًا من الضغط على لبنان؟
مقالات
ترامب و«كماشة» حزب الله… هل يقود التهديد بسوريا إلى إسقاط دمشق بدلًا من الضغط على لبنان؟
عباس المعلم
28 تموز 2026 , 18:09 م

منذ نحو عام، بدأ يتصاعد خطاب سياسي وإعلامي يقوم على التلويح بإمكانية استخدام الفصائل السورية المسلحة المرتبطة بالإدارة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، كورقة ضغط عسكرية على حزب الله، ولا سيما عبر الجبهة الشرقية للبنان. تارةً صدر هذا الطرح عن أوساط اليمين المسيحي الانعزالي في لبنان، وطورًا تبناه المبعوث الأميركي توم باراك، الذي بلغ به الأمر حدّ التلويح بضمّ لبنان إلى سوريا. واليوم، يعود هذا الخطاب بصورة أكثر وضوحًا على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يوظّف هذا السيناريو ضمن معادلة ضغط متعددة الاتجاهات، قوامها كماشة جيوسياسية: إسرائيل من الجنوب، وسوريا من الشمال والشرق، بهدف فرض وقائع ميدانية وسياسية تدفع حزب الله إلى التخلي الكامل عن سلاحه.

إلا أن القراءة الاستراتيجية لهذا الطرح تكشف تناقضًا لافتًا. فإسرائيل نفسها لا تبدو متحمسة لتحويل الفصائل السورية إلى أداة ضغط فعلية على لبنان، ليس انطلاقًا من حرصها على الاستقرار، بل بسبب إدراكها أن اقتراب جماعات تنتمي إلى البيئة الفكرية للإخوان المسلمين من حدودها الشمالية يعني، حكماً، تمدد النفوذ التركي إلى تخوم الجليل والجولان، وتحول أنقرة إلى لاعب مباشر على كامل الحدود السورية – اللبنانية مع فلسطين المحتلة. ومن هنا، فإن تل أبيب تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تريد إضعاف حزب الله، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في استبدال خصم بخصم آخر قد يحمل مشروعًا إقليميًا أكثر اتساعًا وأشد التصاقًا بالعمق التركي.

لكن، وحتى إذا تجاوزنا الاعتبارات السياسية والإيديولوجية، وافترضنا جدلًا أن واشنطن قررت تحويل هذا التهديد إلى خطة عمل عسكرية على الأرض، فإن الوقائع الميدانية لا تبدو منسجمة مع هذا التصور. فالولايات المتحدة تتعامل مع الفصائل السورية وكأنها قوة لم تختبر مواجهة حزب الله، بينما تشير الوقائع العسكرية خلال سنوات الحرب السورية إلى أن الحزب خاض ضد هذه الجماعات، بمختلف تشكيلاتها، حربًا امتدت قرابة عقد كامل، وانتهت في معظم محطاتها لمصلحته. وهذا ليس توصيفًا دعائيًا، بل عنصرًا لا يمكن تجاهله عند أي تقدير جاد لموازين القوى، لأن ذاكرة الميدان غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من الخطابات السياسية.

إلى جانب ذلك، تبدو السلطة السورية الجديدة في موقع لا يسمح لها أصلًا بفتح جبهة خارجية. فالدولة السورية ما زالت تواجه تحديات عسكرية وأمنية داخلية معقدة، وتحتاج إلى معظم قدراتها البشرية والعسكرية لتثبيت سلطتها في الداخل، في وقت لا تزال فيه مساحات واسعة من الأراضي السورية خارج سيطرتها الفعلية، سواء بفعل الوجود الإسرائيلي، أو مناطق نفوذ قوى محلية متعددة، أو مناطق تخضع لتوازنات عسكرية وأمنية متشابكة في الشرق والشمال. ومن هذا المنظور، فإن أي مغامرة عسكرية خارج الحدود لن تعني توسيع النفوذ، بل استنزاف ما تبقى من عناصر القوة اللازمة لحماية بنية الحكم نفسها.

وعليه، فإن أي محاولة لإقحام قوات دمشق أو الفصائل المتحالفة معها في مواجهة مباشرة داخل البقاع اللبناني لن تقتصر نتائجها على طبيعة المواجهة العسكرية ذاتها، بل قد تفضي إلى تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود لبنان. فاستنزاف هذه القوات في معركة خارجية، إذا وقع، قد يفتح الباب أمام اختلالات داخلية أوسع في سوريا، ويمنح القوى المناوئة للحكم فرصة لإعادة ترتيب أوراقها في أكثر من جبهة، بما يهدد تماسك السلطة ذاتها قبل أن يحقق أي مكسب في الساحة اللبنانية.

من هنا، تبدو المفارقة أن الخطاب الأميركي الذي يُقدَّم بوصفه أداة للضغط على حزب الله، قد يتحول – إذا أُخذ إلى مداه العملي – إلى عامل يسرّع تعقيد المشهد السوري أكثر مما يؤثر في موازين القوى داخل لبنان. وإذا كانت واشنطن وحلفاؤها يعتقدون أن مستقبل السلطة في دمشق يمثل مصلحة استراتيجية ينبغي الحفاظ عليها، فإن الأولوية المنطقية لن تكون في دفعها نحو مواجهة خارجية محفوفة بالمخاطر، بل في كيفية احتواء التحديات المتراكمة داخل سوريا نفسها؛ لأن ما يبدو اليوم هادئًا في الداخل السوري قد يكون، في الحسابات الجيوسياسية، أقرب إلى جمرٍ يتوارى تحت الرماد، قابل للاشتعال من أكثر من اتجاه وفي توقيت قد لا يكون بعيدًا.

عباس المعلم - كاتب سياسي