فرساي.. إتفاق وقف الحرب واستمرار التفاوض
مقالات
فرساي.. إتفاق وقف الحرب واستمرار التفاوض
م. ميشيل كلاغاصي
19 حزيران 2026 , 16:27 م

م. ميشال كلاغاصي – 19/6/2026

على الرغم من توقيع الرئيسين ترامب وبزكشيان مذكرة التفاهم بشكل إلكتروني مبكر عشية الأربعاء 17حزيران/يونيو، على أن يتم توقيعها رسمياً اليوم الجمعة في جنيف، قبل أن يتم إعلان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عن تأجيل زيارته إلى جنيف لتوقيع الإتفاق، وسط تطور مفاجئ، وإعلان وكالة رويترز عن موافقة "إسرائيل" وحزب الله على وقف فوري لإطلاقٍ النار في تمام الساعة الرابعة بتوقيت بيروت من خلال وساطة أمريكية - قطرية، وسط استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي، واستمرار الغارات والقصف العدواني الإسرائيلي على عدة مناطق لبنانية ..! 

وقد بات معلوماً أن مذكرة التفاهم الثنائية الأمريكية – الإيرانية نصّت بشكل أساسي على التزام الولايات المتحدة و"إسرائيل" بإنهاء ووقف العدوان على إيران ولبنان، والحرب في الخليج، على الرغم كون "إسرائيل" ليست طرفاً موقعاً، والأهم هو إدعائها بأنها خارج التفاوض، بما قد يُحرج الولايات المتحدة والرئيس ترامب شخصياً، الذي اعتبر أن تدخله جاء "لمنع هزيمة وسحق إسرائيل"، وبأنه "سيجبرها على الإلتزام بالإتفاق".

تلك الإتفاقية التي تضمنت 14 بنداً، واستمراراً للتفاوض خلال الستين يوماً القادمة على تحديد العناصر الأساسية لقدرات إيران النووية، لكن الضجيج الإعلامي والفرح والإبتسامات والتصفيق في "ايفيان" الفرنسية، لن يمنع السؤال عمّا قد يحصل خلال الستين يوماً، وهل سيتم التوصل إلى الاتفاق النهائي، ماذا عن احتمالية الفشل، وما هي الخيارات الجديدة حينئذٍ؟ هل أخطأ ترامب بإنسحابه من إتفاقية خطة العمل الشامل المشترك لعام 2015؟.

وقد أكدت البنود الخمسة الأولى للمذكرة على وقف إطلاق النار، وفتح مضيق هرمز مدة 60 يوماً، وتعهد كلا الطرفين بعدم الإعتداء من الآن فصاعداً، وعدم بدء أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد بعضهما البعض، والإمتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما البعض، وضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته، بالإضافة لتعهد الولايات المتحدة سحب كافة قواتها العسكرية من محيط إيران في غضون 30 يوماً.

في حين نص البند السادس على "إعادة إعمار وتنمية الإقتصاد الإيراني"، عبر إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار، دون تحديد هوية الدول المساهمة والمشاركة في هذا الصندوق، مع ملاحظة أن المبلغ يكاد يتطابق مع التعويضات التي طالبت بها إيران قبل الإعلان عن وقف الحرب.

كما نصّ البند السابع على السماح بتدفق إيرادات إضافية إلى إيران، وعلى البدء الفوري بإنهاء الولايات المتحدة "جميع أنواع عقوباتها المفروضة على إيران، إضافةً لما جاء في البند العاشر، والبدء الفوري بإصدار الإعفاءاتٍ الأمريكية على تصدير النفط الإيراني الخام، بما يشمل رفع جميع القيود المفروضة على مبيعات النفط الإيرانية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

كذلك أتاح البند الحادي عشر، دعم المزيد من الإيرادات الإيرانية، من خلال تعهد الولايات المتحدة إتاحة استخدام إيران للأموال والأصول المجمدة أو المقيدة، وتحكم طهران بكيفية إنفاق هذه الأموال.

في الوقت الذي أراد فيه البند الثامن إظهار قوة ترامب، من خلال تعهد إيران بعدم حصولها على أية أسلحة نووية أو إنتاجها وتطويرها، في حين أنه موقفٌ إيراني حرّ ومعلن من زمنٍ بعيد، يعبر عن عمق إلتزام إيران بالفتوى الدينية التي سبق وأصدرها المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي، ورددها الساسة والمفاوضون الإيرانيون مراراً وتكراراً، وبأن التكنولوجيا النووية الإيرانية تقتصر على الإستخدامات السلمية فقط.

وفيما يتعلق بالإتفاق على - حل لاحق - يشمل جميع التفاصيل والقضايا النووية المختلفة، بما في ذلك مصير المواد النووية المخصبة المخزنة، يبقى من حق إيران اختيار الطريقة الأمثل للتخلص منها، دون التطرق إلى حتمية شحن اليورانيوم إلى خارج إيران، كما تحدث ترامب مراراً وتكراً خلال أشهر الحرب.

إلى حين حل هذه القضايا وجميع القضايا الأخرى، اتفقت إيران والولايات المتحدة على "الحفاظ على الوضع الراهن"، الأمر الذي يعني أن البرنامج النووي الإيراني سيبقى سليماً، ولن تفرض الولايات المتحدة أي عقوبات أخرى أو تنشر أي قوات إضافية في المنطقة.

ورغم صعوبة الموقف الأمريكي الحالي، الذي أوصلها إليه العدوان الأمريكي – الإسرائيلي المشترك الفاشل، لم ينس ترامب خصمه وعدوه اللدود الرئيس السابق باراك أوباما، ووجد الفرصة لإنتقاد الاتفاق النووي الإيراني (الخطة الشاملة المشتركة) وعدد صفحاته وبنوده التي تجاوزت الـ 150 صفحة، وتباهى بالإتفاق الجديد ووصفه بإتفاق "الصفحة الواحدة"، متجاهلاً كون إتفاق أوباما – 2015، كان أدق وأكثر تفصيلاً، وحقق للولايات المتحدة ما عجز عنه إتفاق ترامب – 2026، وبات يُنظر إليه على أنه إتفاق الإستسلام الأمريكي في فرساي.

كذلك، ذهبت مذكرة التفاهم في نهايتها، للتأكيد على أن الاتفاق النهائي سيحظى بموافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وسيتم إعتباره وثيقةً تاريخية، تمنع ترامب وأي رئيسٍ أمريكي قادم من فرصة العبث بها.

أخيراً ... تؤكد مجمل بنود الإتفاق خصوصاً لمن يهتمون بمشهدية البداية والنهاية، أن رمزية التوقيع على مذكرة التفاهم في قصر فرساي تبشر ببدايةٍ جديدة للتفاوض القادم خلال ألـ 60ايوماً، ستكون فيه إيران أكثر قوة، والولايات المتحدة أكثر ضعفاً، وسط تصاعد التخبط الإسرائيلي في مستنقع الخلافات والتاّكل الداخلي للكيان.

م. ميشال كلاغاصي – 19/6/2026