نتنياهو بين هاجس الفشل وخيار توسيع العدوان على لبنان ..؟!
مقالات
نتنياهو بين هاجس الفشل وخيار توسيع العدوان على لبنان ..؟!
عباس المعلم
21 حزيران 2026 , 22:34 م

لا يزال بنيامين نتنياهو يُضمر للبنان عملاً عدوانياً يتجاوز بكثير ما نشهده اليوم من اعتداءات وغارات واستهدافات متواصلة، والتي باتت، بفعل تكرارها واتساع نطاقها الجغرافي، أقرب إلى مشهد يومي اعتيادي ضمن استراتيجية إسرائيلية تقوم على الاستنزاف المفتوح وفرض الوقائع بالقوة العسكرية.

الثابت حتى الآن أنّ نتنياهو لن يقبل بأي اتفاق أو مسار سياسي يُظهر إسرائيل بموقع العاجز عن فرض شروطه أو يعكس إخفاقه في تحقيق الأهداف التي خاض من أجلها الحرب. وهذا ينطبق على المفاوضات المباشرة الجارية مع السلطة اللبنانية كما ينطبق على أي تفاهمات أو مذكرات تفاهم ناشئة بين واشنطن وطهران. فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من مستقبله السياسي على صورة «القائد المنتصر» يدرك أن أي تسوية لا تمنحه مكاسب ملموسة وقابلة للتسويق داخل الكيان ستتحول إلى مادة اتهام داخلية بحقه قبل أن تكون موضع انتقاد من خصومه الخارجيين.

من هنا، لا يريد نتنياهو أن يكون مجرد متلقٍ لنتائج التفاهم الأميركي – الإيراني أو ملحقاً بخيارات إدارة ترامب، بل يسعى إلى فرض نفسه شريكاً مقرراً وطرفاً ثالثاً إلزامياً في أي ترتيبات إقليمية جديدة. وهو يعتبر أن أي اتفاق يُعقد في المنطقة من دون موافقة إسرائيلية فعلية أو من دون مراعاة سقوف المصالح التي تضعها حكومته، يشكل انتقاصاً من الدور الذي حاول تكريسه عبر سنوات من الحروب والتصعيد والضغط السياسي والأمني.

الأخطر من ذلك أن نتنياهو يجد اليوم بيئة داخلية مؤاتية نسبياً للمناورة والتصعيد. فحالة التعبئة القومية التي تشكلت داخل الكيان بعد سنوات من المواجهات الإقليمية لم تعد مقتصرة على أحزاب الائتلاف الحاكم، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى قوى وشخصيات معارضة تختلف معه في ملفات داخلية عديدة، لكنها تلتقي معه عند رفض أي اتفاق أميركي – إيراني لا يحقق المصالح الإسرائيلية بالحد الأقصى الممكن.

أما المسألة الأكثر حساسية بالنسبة لهذه القوى، فهي أن يشمل أي تفاهم محتمل لبنان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر تثبيت وقف فعلي للعدوان، أو فرض انسحاب من الأراضي المحتلة، أو تقييد حرية العمل العسكري الإسرائيلي التي تسعى حكومة نتنياهو إلى تكريسها كأمر واقع دائم. ولذلك يمكن فهم جانب كبير من التصعيد الحالي باعتباره محاولة إسرائيلية استباقية لإجهاض أي مسار قد يفضي إلى نتائج لا تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية للمرحلة المقبلة.

لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى الاعتداءات الجارية باعتبارها مجرد ردود فعل ميدانية أو عمليات أمنية متفرقة، بل كجزء من معركة سياسية واستراتيجية أوسع يخوضها نتنياهو لتعديل موازين التفاوض ورفع سقف الضغوط قبل تبلور أي تفاهمات نهائية. فالرجل يدرك أن لحظة التفاهمات الإقليمية الكبرى تقترب، ويسعى بكل الوسائل إلى الدخول إليها من موقع الشريك المفروض لا من موقع الطرف الذي يُطلب منه التكيّف مع ما يقرره الآخرون.

ومن هنا تحديداً تنبع خطورة المرحلة الحالية، إذ إن نتنياهو قد يلجأ إلى خطوات تصعيدية إضافية أو إلى توسيع نطاق العدوان كلما شعر بأن مسار التفاهمات الإقليمية يتجه نحو إنتاج وقائع سياسية وأمنية لا تمنحه القدرة على الادعاء بأنه خرج من الحرب وقد حقق ما وعد به جمهوره وحلفاءه داخل الكيان.

عباس المعلم -كاتب سياسي