عتمة الظل ومرآة النور.. قصة قصيرة بقلم
ثقافة
عتمة الظل ومرآة النور.. قصة قصيرة بقلم "حافظ البكوري" / تونس
22 حزيران 2026 , 06:01 ص

على قمة جبل يطل على وادي الصمت، حيث الرياح تهمس بأسرار الأولين، كان يعيش حكيم اختار العزلة رفيقاً. لم يكن صمته جهلاً، بل كان استماعاً حذراً لنبض الكون. نادراً ما كان ينطق، لكن إن فعل، خرجت كلماته كسهام دقيقة تصيب كبد الحقيقة.

في يوم غائم، تسلقت فتاة شابة المنحدر الوعر، كانت خطواتها ثقيلة، ملامحها شاحبة، وعيناها محملتان بانكسارات لا حصر لها. وقفت أمامه، تلتقط أنفاسها، ثم انفجرت باكية وكأن سداً من القهر قد انهار بداخلها.

قالت بصوت متهدج:

"أيها الحكيم، لقد ضاق صدري وتآكلت روحي. جل صديقاتي وزميلاتي يعاملنني بقسوة لا مبرر لها. نظراتهن مليئة بالاحتقار، وهمساتهن مشبعة بالسخرية. يقللن من شأني ويتعمدن إهانتي وإقصائي... والله يشهد أنني لم أسئ لأي منهن يوماً، لم أسرق فرحهن، ولم أتحدث عنهن بسوء. لماذا أُعاقب على ذنب لم أقترفه؟"

نظر إليها الحكيم مطولاً، وعيناه العميقتان تتفحصان هالتها المنكسرة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، لا تحمل سخرية بل تفهماً عميقاً للتركيبة البشرية المعقدة، ثم قال بصوت رزين:

"بل فعلتِ يا ابنتي... لقد فعلتِ لهن الكثير ."

اتسعت عينا الفتاة في صدمة، وتراجعت خطوة للوراء، قاطعته بحدة مشوبة بالاستنكار:

"أقسم لك بالله العظيم أنني لم أفعل شيئاً! لم أؤذِ نملة، كنت دائماً مسالمة ومحبة!"

أطلق الحكيم ضحكة خافتة اهتزت لها لحيته البيضاء، أشار إليها بالجلوس أمامه، وبدأ في تفكيك طلاسم النفوس التي أرهقتها:

"وهل تظنين يا صغيرتي أن الأذى لا يكون إلا باليد أو باللسان؟" اعتدل في جلسته وواصل حديثه العميق: "وجودكِ بحد ذاته، طاقتكِ المشرقة، والهالة التي تحيط بكِ، هي أكبر تهديد لهن. أنتِ لا تدركين حجم ما تمتلكينه، لكنهن يدركنه تماماً. هن يرون فيكِ ما يمكن أن تكونيه، ويعرفن جيداً إلى أي قمة يمكن لروحكِ أن تصل. وهذا الاحتمال... هذا المستقبل المشرق الذي يلوح في أفقكِ، يميتهن رعباً وخوفا."

سكت قليلاً ليسمح لكلماته بالتسرب إلى عقلها، ثم أضاف مبحراً في التحليل:

"الناس يا ابنتي يتصالحون مع الفشل حين يكون الجميع فاشلين، ويأنسون بالعتمة حين يكون الجميع منطفئين. لكن حين تدخلين أنتِ بنوركِ وطموحكِ واستقامتكِ إلى عالمهن، فأنتِ دون قصد منكِ تتحولين إلى مرآة كاشفه. مرآة تعكس لهن خيباتهن، كسلهن، ونواقصهن. دماغ البشر مصمم على حماية 'الأنا' من الانهيار، وعندما يفسر عقلهن الباطن حضوركِ على أنه تهديد لهويتهن الهشة، تتفعل لديهن استجابات دفاعية غير واعية."

سألته الفتاة بلهفة وقد بدأت الرؤية تتضح: "وماذا يفعلن لحماية هذه الأنا؟"

أجابها بحزم:

"يحاولن تكسير المرآة... أي أنتِ. يبدأن في التقليل من حجمكِ، تسخيف إنجازاتكِ، وتصيد أخطائكِ. يرمينكِ بالانتقاد اللاذع والتهميش الممنهج. هدفهن الوحيد ليس إصلاحك، بل تشتيت بوصلتكِ

. إنهن يأملن أن تفقدي ثقتكِ بنفسكِ، أن تتشككي في قدراتكِ، وأن تنطفئي تماماً. لأنه في اللحظة التي تنطفئين فيها، ويصبح لونكِ باهتاً كلونهن، سيشعرن هن بالأمان أخيراً... أرأيتِ كم فعلتِ لهن؟ لقد زلزلتِ كيانهن الوهمي بهدوئكِ فقط."

نهض الحكيم ومشى خطوتين نحو حافة الجبل متأملاً الوادي، ثم التفت إليها ملقياً وصيته الأخيرة، كمن يمنح درعاً لمحارب:

"أول خطوات النجاة هي الإدراك. إياكِ أن تأخذي أفعالهن على محمل شخصي. قسوتهن ليست إدانة لكِ، بل هي اعتراف ضمني بتميزكِ، وهي انعكاس لعقدهن النفسية وصراعاتهن الداخلية. السم الذي ينفثونه هو ترياق لألمهن الداخلي، فلا تشربيه.

ثانياً، البتر. اقطعي حبال الود الزائفة، ابتعدي عنهن وأخرجيهن من دائرة اهتمامكِ. لا تحاولي إثبات براءتكِ لمن يرى في وجودكِ تهمة. حافظي على بوصلتكِ، احرسي نوركِ، ولا تسمحي لضجيج المعارك الجانبية أن يعطلكِ عن رحلتكِ الأساسية. كوني كنجمة عالية، تراها العيون الساهرة، وتعجز عن طمسها الأيدي الحاقدة."

أخذت الفتاة نفساً عميقاً، شعرت وكأن جبلاً من الوهم قد أُزيح عن صدرها. لم تعد ترى نفسها ضحية قهر، بل سيدة لروحها، ومسؤولة عن حماية نورها. انحنت للحكيم شاكرة، ونزلت من الجبل بخطوات ثابتة، عينها على القمة، وظهرها لكل ما هو دونها.