- البشير عبيد / تونس
ليست كل الإصدارات الشعرية الأولى بدايات فعلية، فبعض الدواوين يأتي بعد رحلة طويلة من الصمت والتأمل والكتابة المتأنية، ليكون بمثابة الكشف عن عالم شعري ظل يتشكل بعيداً عن الأضواء. وهذا ما ينطبق على المجموعة الشعرية الأولى للشاعر التونسي علي أحمد بوقرة الموسومة بـ"شيء ما يغتال فرحي"، الصادرة عن دار إسكرا، والتي تضم بين دفتيها سبعاً وأربعين قصيدة قصيرة، تنتمي في أغلبها إلى فضاء القصيدة الوجدانية الرومانسية، حيث تتقدم الذات الشاعرة بما تحمله من أحلام وانكسارات وذكريات وأسئلة معلقة حول الحب والزمن والغياب.

منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام مفارقة إنسانية عميقة؛ فالفرح الذي يبدو حالة داخلية مستقرة يصبح مهدداً بحضور غامض يختطف شيئاً منه. إن عبارة "شيء ما يغتال فرحي" لا تشير فقط إلى حزن عابر، بل إلى إحساس وجودي بأن الإنسان يحمل في داخله دائماً ظلالاً خفية ترافق لحظات السعادة وتذكره بهشاشة الأشياء وجماليات الفقد. ومن هنا تتشكل النبرة الأساسية في الديوان: نبرة عاشق يتأمل ما ضاع، وشاعر يحاول أن يستعيد بالقصيدة ما عجز الواقع عن الاحتفاظ به.
ولعل المتأمل في هذه التجربة يلمس بوضوح حضور أثر الشاعر السوري العربي الكبير نزار قباني، الذي كان أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية الحديثة التي أعادت للقصيدة مساحة الاعتراف العاطفي والبوح الإنساني. لقد أحب علي أحمد بوقرة تجربة نزار وتأثر بها، لا من خلال التقليد المباشر، وإنما عبر الانحياز إلى القصيدة التي تجعل من الحب لغة للكشف عن الإنسان، وتمنح التفاصيل الصغيرة قيمة جمالية وشعورية.
غير أن تجربة الشاعر لا تقف عند حدود التأثر، فهي تتحرك داخل فضاء أوسع من القراءات الشعرية والثقافية التي شكلت وعيه. فهو ينتمي إلى جيل عربي تابع مسارات كبار الشعراء الذين صنعوا تحولات القصيدة العربية الحديثة، من بدر شاكر السياب ومحمود درويش وسميح القاسم وسعدي يوسف إلى محمد الجواهري ومحمد الصغير أولاد أحمد. وهذه الأسماء ليست مجرد إحالات ثقافية، بل هي علامات على حساسية شعرية تؤمن بأن القصيدة قادرة على حمل التجربة الشخصية كما تحمل أسئلة الإنسان والوطن والهوية.
عرفت الشاعر علي أحمد بوقرة منذ صائفة سنة 2000، وتكررت اللقاءات التي جمعتنا في فضاءات امتزجت فيها الأحاديث حول الشعر والفكر والمعرفة والفنون وقضايا العروبة وفلسطين التاريخية، إضافة إلى نقاشات واسعة حول رموز الفكر العربي وتجارب الكتابة السياسية والثقافية، وكان من بين الشخصيات التي حضرت في تلك الحوارات المفكر والصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل وكتابه اللافت "خريف الغضب". تلك اللقاءات كانت تكشف عن شخصية لا تنظر إلى الشعر باعتباره جزيرة معزولة، بل باعتباره جزءاً من مشروع ثقافي أوسع يتفاعل مع التاريخ والأسئلة الكبرى.
وفي هذا السياق، تكتسب شهادة الشاعر التونسي أحمد السلطاني أهمية خاصة، باعتبارها صادرة عن شاعر يعرف طبيعة التجربة الشعرية ومخاضاتها الداخلية. فقد رأى السلطاني في تجربة علي أحمد بوقرة امتداداً لصوت شعري ظل وفياً للبعد الإنساني في القصيدة، حيث تتحول العاطفة إلى مساحة للتأمل في الذاكرة والغياب وأسئلة القلب. وهو يلمح إلى أن صاحب "شيء ما يغتال فرحي" لا يكتب لحظة عاطفية عابرة، بل يستعيد عبر الشعر سنوات من الإحساس والتجربة والانتظار.
كما تكشف شهادة أحمد السلطاني عن تقديره للخصوصية التي تميز هذا الديوان، حيث يلتقي صفاء العبارة بصدق الشعور، وتتحول القصيدة إلى اعتراف هادئ بمساحات الفرح المفقود والحلم المؤجل. فالشاعر علي أحمد بوقرة، كما يبرز السلطاني، ينتمي إلى أولئك الذين ينظرون إلى الشعر بوصفه ذاكرة للروح ووسيلة لاستعادة ما تخسره الحياة، وهو ما يجعل مجموعته الأولى محطة جديرة بالاهتمام ضمن المشهد الشعري التونسي المعاصر.
ومن يقرأ نصوص "شيء ما يغتال فرحي" يدرك أن خلف البساطة الظاهرة للقصائد هناك تجربة إنسانية قائمة على الإحساس بالفقد. ففي قصيدة "شمعة وداع" مثلاً، يرسم الشاعر لحظة لقاء تتحول تدريجياً إلى لحظة فراق. يقول:
"كم كنا نتمنى أن نلتقي
حين التقينا
شاردة عيناك غاب بريقها
تتحاشى نظراتي
كأنك خائفة"
إن جمال هذا المقطع يكمن في الاقتصاد الشعري؛ فالشاعر لا يذهب إلى المبالغة في التعبير عن الألم، بل يجعل الصمت وحركة العينين والإحساس الداخلي أدوات لبناء المشهد. إن الخوف الذي يراه في عيني الآخر يصبح علامة على نهاية مرتقبة، ويصبح اللقاء نفسه حاملاً لمعنى الغياب.
ثم يقول:
"أردت أن أتكلم
فخانني التعبير
أردت أن أصرخ
أن أبكي بحرقة"
وهنا تظهر إحدى السمات البارزة في الديوان: عجز اللغة أمام قوة الشعور. فالشاعر الذي يملك الكلمات يجد نفسه عاجزاً أمام لحظة إنسانية تتجاوز القدرة على الوصف، لتصبح القصيدة نفسها محاولة لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه.
إن قصر القصائد في هذه المجموعة لا يعني فقر التجربة، بل على العكس، فإن التكثيف يمنح النصوص قدرة على ترك أثرها بسرعة ووضوح. فالشاعر يعتمد على الصورة البسيطة، والعبارة القريبة، والمشهد العاطفي المكثف، وهي عناصر تجعل القارئ شريكاً في استكمال المعنى. إن المساحات البيضاء بين الكلمات تصبح جزءاً من البناء الشعوري، لأن ما لم يقله الشاعر ربما يكون أوسع مما قاله.
وإذا كان هذا الديوان هو الإصدار الأول لعلي أحمد بوقرة، فإنه ليس البداية الزمنية لمسيرته الشعرية، فقد عرفه القارئ التونسي من خلال نصوص نشرها على امتداد سنوات في الصحافة التونسية، وخاصة في ركن "إبداع" بصحيفة الشروق تحت إشراف الصحفي والشاعر نور الدين بالطيب، وكذلك في صحيفة الأخبار الأسبوعية حين كان يشرف على صفحة الأدب الشاعر الكبير الراحل عبد الله مالك القاسمي، صاحب المجموعة الشعرية اللافتة "هذه الجثة لي". وهذا الحضور الصحفي والثقافي يؤكد أن الديوان جاء ثمرة تراكم وتجربة، وليس مجرد مغامرة شعرية عابرة.
ومن المؤكد أن المرحلة القادمة من تجربة علي أحمد بوقرة ستكشف وجوهاً أخرى من مشروعه الشعري، خاصة إذا تضمنت مجموعته القادمة عدداً من القصائد التي كتبها ونشرها خلال سنوات طويلة. فالشاعر الذي راكم نصوصه بصمت يمتلك رصيداً يسمح له بتطوير أدواته والانفتاح على مناطق شعرية جديدة، تجمع بين حرارة العاطفة وعمق التأمل.
إن "شيء ما يغتال فرحي" ليس فقط ديوان حب وحنين، بل هو سجل لحساسية إنسانية ترى في القصيدة ملاذاً لمواجهة الغياب واستعادة اللحظات الجميلة. إنه كتاب شاعر اختار أن يبدأ من أكثر المناطق قرباً إلى القلب: منطقة الإنسان في ضعفه وقوته، في فرحه وحزنه، في انتظاره وخساراته. ومن هنا تأتي قيمة هذه التجربة؛ لأنها تذكرنا بأن الشعر، قبل أن يكون صناعة لغوية، هو بحث دائم عن المعنى وسط تحولات الحياة.
- شاعر و كاتب صحفي من تونس